تراث طرابلس

التصنيفات
جوامع

جامع قلعة طرابلس (جديد)

جامع قلعة طرابلس[1]

 

   جامع قلعة طرابلس أو جامع الفتح العثماني، يقع هذا الجامع داخل قلعة طرابلس في الجهة الجنوبية الغربية منها وقد أزيل في وقت غير معروف ولسبب غير معروف أيضاً في أواخر القرن التاسع عشر. أسّسه كافل طرابلس “مصطفى بن اسكندر باشا الخنجرلي” وتمّ بناؤه 924هـ/1518م.

  ويتميز هذا الجامع عن بقية جوامع طرابلس بأنّ وقفه صادر بموجب “فَرَمان” سلطاني، وأنّ مرتّباته كانت تؤخذ من الأموال التي تذهب إلى الخزانة الخاصة بالسلطان العثماني من المتحصّل من الرسوم في “أسكلة” ميناء طرابلس.


[1] الأوقاف في بلاد الشام منذ الفتح العربي الإسلامي إلى نهاية القرن العشرين، من المؤتمر الدولي السابع لتاريخ بلاد الشام (17-21شعبان 1427هـ/10-14 أيلول 2006م، المجلد 4، عمر عبد السلام تدمري، تحرير محمد عدنان البخيت، منشورات لجنة تاريخ بلاد الشام – الجامعة الأردنية، عمان، 1431هـ/2010م، ص30.

التصنيفات
من علماء طرابلس

المجاهد فوزي القاوقجي (جديد)

  المجاهد فوزي القاوقجي

1308هـ/ 1890م- 1396هـ/ 1976م

 

الدكتور محمود حمد سليمان

 

هو المجاهد القومي العربي، فوزي بن عبد المجيد القاوقجي الذي وُلد بطرابلس الشام عام 1890م. فخرج به والده الى الآستانة عاصمة السلطنة العثمانية حيث تلقى علومه في مدارسها وظل يتدرج الى أن انتسب الى المدرسة الحربية وفيها بدأ وعيه السياسي ينمو، وبدأ شعوره القومي يتبلور، إذ كانت الآستانة يومذاك تعجُّ بالطلاب العرب، ولا سيما في المدرسة الحربية، والذين أحسوا بتوجهات حركة التتريك العنصرية وما تشكله من خطر على العروبة والاسلام ومنها جمعية الإتحاد والترقي التي كان نفوذها قد أصبح قوياً داخل مؤسسات الدولة ومؤسسة الجيش تحديداً.. بالإضافة الى ما كان قد ظهر من ضعف الدولة العثمانية وعجزها عن مواجهة الأطماع الاستعمارية الغربية في الأرض العربية التي راحت أقطارها تسقط تباعاً تحت نير الاستعمار دون أن تفعل الدولة العثمانية شيئاً سواء في مصر أو تونس أو الجزائر أو المغرب أو السودان أو غيرها..

التصنيفات
دراسات في تاريخ طرابلس وحاضرها

المجاهد فوزي القاوقجي (جديد)

  المجاهد فوزي القاوقجي

1308هـ/ 1890م- 1396هـ/ 1976م

 

الدكتور محمود حمد سليمان

 

هو المجاهد القومي العربي، فوزي بن عبد المجيد القاوقجي الذي وُلد بطرابلس الشام عام 1890م. فخرج به والده الى الآستانة عاصمة السلطنة العثمانية حيث تلقى علومه في مدارسها وظل يتدرج الى أن انتسب الى المدرسة الحربية وفيها بدأ وعيه السياسي ينمو، وبدأ شعوره القومي يتبلور، إذ كانت الآستانة يومذاك تعجُّ بالطلاب العرب، ولا سيما في المدرسة الحربية، والذين أحسوا بتوجهات حركة التتريك العنصرية وما تشكله من خطر على العروبة والاسلام ومنها جمعية الإتحاد والترقي التي كان نفوذها قد أصبح قوياً داخل مؤسسات الدولة ومؤسسة الجيش تحديداً.. بالإضافة الى ما كان قد ظهر من ضعف الدولة العثمانية وعجزها عن مواجهة الأطماع الاستعمارية الغربية في الأرض العربية التي راحت أقطارها تسقط تباعاً تحت نير الاستعمار دون أن تفعل الدولة العثمانية شيئاً سواء في مصر أو تونس أو الجزائر أو المغرب أو السودان أو غيرها..

ولذلك فالقاوقجي شهد أحداثاً هامة وخطيرة وهو لا يزال طالباً على مقاعد الدراسة… ومما لا شك فيه أنه اطَّلع على أفكار المفكرين العروبيين وآرائهم وحركاتهم سواء داخل الآستانة أو خارجها .. ولا سيما عندما تخرَّج عام 1912م. من الحربية ضابطاً في سلاح الخيَّالة التركي.. وكان مقره أولاً في الموصل.. وهناك بدأت مواهبه بالبروز فصار بعد وقت قصير معلِّماً للفروسية في كتيبته ثم محاضراً لضباط الفيلق وقواده.. ما أتاح له  فرصة كبيرة للتعرف على أكبر عدد ممكن من الضباط العرب في وقت كان العراق في طليعة المناطق العربية التي تأججت فيها المشاعر القومية والوحدوية.. حتى بدا وكأنه يعيش على فوهة بركان تحسباً وحذراً من المخططات الأوروبية.. ورفضاً للنزعة الطورانية التتريكية التي كانت تعمل للقضاء على الحركة الثورية العربية وعلى فكرة القومية العربية للإبقاء على البلاد العربية مستعمرات تخضع بقوة السلاح للحكم التركي ونفوذه، كما ورد في مذكرات القاوقجي نفسه… وكما أكدته الأحداث والتطورات اللاحقة..

عندما نشبت الحرب العالمية الأُولى كان القاوقجي قد أصبح مرجعية هامة ليس للضباط والجنود العرب فقط… وإنما أيضاً لمختلف القبائل شمال العراق التي صارت تكنُّ له مشاعر التقدير والاحترام وخاصة منها قبيلة الدليم وشمر والجبوري، وغيرها.. فتعاون مع أحد شباب الموصل المدعو سعيد الحاج ثابت، وهو من الوطنيين العروبيين، في التواصل مع الأهالي وتنظيمهم وتدريبهم وتسليحهم بمختلف السبل والوسائل… مما يدل على أنه كان يحسب لكل شيء حسابه… ويتوقع سلفاً ما حصل فعلاً عندما نشبت الحرب العالمية الأُولى.

إشترك القاوقجي في المقاومة الشعبية والرسمية ضد الإنكليز عندما احتلوا البصرة، وأُصيب في معركة ” القرنة” فأُدخل المستشفى للعلاج.. ثم غادره سراً بالتنسيق مع العروبيين ليتصل بزعماء الحركة القومية في سورية ولبنان.. فوجد معظمهم قد سيقوا الى السجون والمشانق، وهو في هذه الفترة صار يلعب دوراً مزدوجاًُ: فمن جهة يهادن الأتراك، ومن جهة أُخرى يبذل قصارى جهده علناً في محاربة الانكليز ومقاومتهم. محاولاً في الوقت نفسه تخليص ما استطاع من المجاهدين العرب من قبضة الأتراك ومعتقلاتهم .. متواصلاً مع عدد كبير منهم بسرية مطلقة، ألأمر الذي جعل صديقه الضابط فرج عمارة (محافظ حلب) يمزِّق الرسائل والأوراق التي يحملها القاوقجي حفاظاً على حياته.. ولكن القاوقجي أصرّ على متابعة مهمته فحفظ عناوين الذين يجب أن يتصل بهم غيباً.. وتابع إتصاله بهم شفوياُ.. ثم قصد بلدة صوفر من لبنان القريبة من عاليه حيث مقر المجلس العرفي التركي الذي أقامه جمال باشا وفيه حكم على الزعماء والثوار العروبيين بالإعدام.. وقد بلغت الشجاعة بالقاوقجي أنه قابل جمال باشا مباشرة في الفندق الذي كان يقيم فيه بصوفر. ولكنه بدل أن يصل الى هدفه بإطلاق سراح القوميين العرب… فقد صدر اليه الأمر من جمال باشا بتعيينه في فرقة الخيَّالة في بئر السبع وفيها اكتسب خبرة عسكرية واسعة ونال شهرة واسعة بعد أن اشتبك مع الإنكليز بمعارك ضارية تمكن من خلال الكمائن التي كان ينصبها من أسر عدد من ضباطهم وجنودهم.. فحصل على أوسمة عديدة، وقويت صلته بالقادة الألمان الذين كانوا حلفاء الأتراك ضد الانكليز.

بعد انتهاء الحرب العالمية الأُولى عاد فوزي القاوقجي الى مسقط رأسه طرابلس وأقام هناك الى أن زارها الملك فيصل بن الحسين ودعاه الى العمل في خدمة الدولة العربية الناشئة.. فقبل العرض وعُيِّن في الشعبة  الثالثة في ديوان الشورى الحربي بدمشق. وهناك انكشف أمامه غدر الحلفاء بثورة الشريف حسين وأهدافها.. وهو كان يتولى حراسة قصر الملك فيصل وقلعة دمشق عندما وقعت هزيمة ميسلون واستشهد قائدها المجاهد يوسف العظمة عام 1920م. فآلمه ذلك وحزّ في نفسه دخول الفرنسيين دمشق مستعمرين.. فصمَّم منذ تلك اللحظة على التخطيط للثأر والتحرير مهما بلغت التضحيات.. لكنه وفي هذه المرة أيضاً لعب دوراً مزدوجاً فمن جهة فهو قريب من الفرنسيين الذين عيَّنوه آمراً لسرية الخيّالة في حماه ثم معاوناً للمستشار الفرنسي.. ومن جهة أخرى، فقد كان على تواصل مع ثورة الشيخ صالح العلي في الساحل السوري وثورة ابراهيم هنانو في حلب وضواحيها، وثورة سلطان باشا الأطرش في جبل العرب، ومع مختلف الانتفاضات الشعبية في لبنان وسورية وفلسطين والتي ما كانت لتهداً الواحدة منها حتى تشتعل الأخرى.

في العام 1925م. وحيث اشتعلت الثورات في كل أنحاء سورية ولبنان أعلن القاوقجي من جهته الثورة في حماه وضواحيها… وكاد أن يستولي على المدينة لولا قصف الطائرات العنيف للأحياء الشعبية.. فخرج الى البادية لاستشارة القبائل ضد الفرنسيين وتخفيف الضغط عن الثوار في المناطق الاخرى، وقد حقق انتصارات هامة على القوات الفرنسية وحامياتها وثكناتها وأنزل بها خسائر فادحة… حتى أسند إليه مجلس الثورة الوطني قيادة الثورة في منطقة الغوطة ومنحه سلطات واسعة وهو الى ذلك، كان على تواصل مع الثوار والمجاهدين في فلسطين وسورية ولبنان والعراق وعلى إتصال دائم بحركاتهم وتنظيماتهم ولجانهم المحلية المتعددة.. فقد نسَّق مع مفتى فلسطين المجاهد أمين الحسيني والتقى به مراراً في أثناء زياراته المتعددة الى لبنان وطرابلس تحديداً. إذ التقى به في منزل راشد المُقدَّم في قرية “علما” من ضواحي طرابلس بحضور أبرز العروبيين في تلك المرحلة: عبد الحميد كرامي وعبد اللطيف البيسار، وغيرهما. وكان البيسار والمقدم يجمعان له التبرعات المالية ويرفدانه بكميات من الأسلحة في كل المراحل سواء عندما قاتل في فلسطين أكثر من مرّة، أو عندما أعلن الثورة من حماه ضد الفرنسيين.. هذه الثورة التي وصلت أصداؤها الى طرابلس وجرود عكار والضنية.. الى درجة ان الفرنسيين جمعوا أعيان طرابلس وهددوا بقصف المدينة من البحر بعد أن نفوا عبد اللطيف البيسار وعبد الحميد كرامي وآخرين الى جزيرة أرواد. وهكذا كان شأن القاوقجي مع كل المدن والمناطق في مختلف بلاد الشام. حتى حكم عليه الفرنسيون بالإعدام… دون أن يتمكنوا من الإمساك به.

وفي حين كان المقدم وكرامي يتواصلان، بشكل أو بآخر، مع الإنكليز في مواجهة الفرنسيين… كان القاوقجي وعبد اللطيف البيسار ومعهما مفتي فلسطين، يتواصلون مع الألمان في مواجهة الانكليز والفرنسيين معاً.

ظل القاوقجي يقاوم من موقع الى موقع ومن منطقة الى أُخرى.. حتى اضطره النقص الهائل في العتاد والسلاح الى اللجوء الى جبل العرب، وبعد ان استشهد عدد كبير من المجاهدين معه.. وأمام عدم تلقيه اي دعم من الخارج.. فقد انتقل الى الحجاز عام 1928م. بعد أن كان آل سعود قد سيطروا على زمام الأُمور هناك. ليجد نفسه في مواجهة مع الانكليز والدور الذي يلعبه “فيلبي” في المملكة. لكنه تمكن بمساعدة الأمير فيصل بن عبد العزيز من إقناع الملك عبد العزيز بن سعود تكوين جيش نظامي مدرَّب، ساهم القاوقجي في بناء قواته العسكرية المنظمة والمدربة… رغم العراقيل التي وضعت في دربه وأجبرته على الاستقالة.. غير أنه بقي مستشاراً للأمير فيصل.

عام 1929م. وعلى أثر إندلاع المعارك بين العرب واليهود في فلسطين، غادر القاوقجي الحجاز سراً الى  مصر، والتقى الوفد الفلسطيني الذي أزمع على السفر الى لندن لمفاوضة الانكيز.. فحاول إقناعهم بعدم جدوى المفاوضات وضرورة الشروع في المقاومة الشاملة، مبدياً استعداده للمساهمة فيها بكل ما يملك.. غير أن محاولته باءت بالفشل، فعاد الى الحجاز لمدة سنتين ونصف تقريباً ليتركه ويلتحق بالملك فيصل بن الحسين في بغداد بعد أن صار هذا ملكاً على العراق.

في بغداد عُيِّن مدرباً للفروسية فأستاذاً برتبة رئيس لهندسة الطوبوغرافيا في المدرسة الحربية. وبقي كذلك الى العام 1936م. عندما اندلعت الثورة الكبرى في فلسطين فعاد القاوقجي الى سورية على رأس فرقة من الجيش العراقي ومجموعات من المجاهدين المتطوعين العرب الذين هبوا من كل حدب وصوب لنصرة إخوانهم ثوار فلسطين. ولقد أبلى القاوقجي بلاء حسناً في تلك الثورة حتى حاز على ثقة الثوار وصار له مكانة خاصة في نفوسهم.. وحيث أن رياح الأنظمة تجري بما لا تشتهي سفن الشعوب فقد صدرت الأوامر من القيادات السياسية الرسمية العربية الى القاوقجي بسحب قواته من فلسطين… فاضطر الى تنفيذ الأوامر رغم اقتناعه بعدم الصدقية التي كان الانكليز يقدمونها للحكام العرب والتي وعدتهم بحل عادل للمسألة بعد وقف الأعمال العسكرية.. والجدير بالذكر أنه وهو في  طريق الإنسحاب تعرض لمحاولة اغتيال من كمائن بريطانية ونجا منها بأعجوبة. وعندما وصل الى الأردن سرّح مَنْ معه من المجاهدين وعاد مع الفرقة العراقية الى بغداد فاستُقبل بحرارة على الصعيدين الرسمي والشعبي.

أقام القاوقجي في بغداد مدة، غير أن نشاطه القومي وانتصاره لمختلف القضايا القومية لم يتوقفا .. مما جعل السفير التركي يحتج لدى الحكومة العراقية على موقف القاوقجي من قضية لواء الاسكندرون الذي اقتطعه الحلفاء من سورية ووهبوه لتركية، اذ تبين لهم أنه على تواصل مع العروبيين داخل اللواء.. ثم وبناء على طلب الانكليز فقد قامت حكومة بكر صدقي بنفيه الى كركوك.. ولم تعد له حريته الا بعد مقتل بكر صدقي ومجيء حكومة جميل المدفعي.

عام 1941م. شارك القاوقجي بفعالية في ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق ولعب فيها دوراً بارزاً.. ولقد أُصيب في هذه الثورة بجروح بالغة ونجا بأعجوبة من الموت.. ولذلك اضطر للسفر الى برلين للمعالجة فأُجريت له عدة عمليات جراحية لاستئصال الرصاص والشظايا من مختلف أنحاء جسده. ما عدا رصاصة واحدة استقرت في رأسه وبقيت تلازمه طوال حياته.. دون أن تعيقه عن مواصلة الحركة في ميادين العمل والجهاد. وفي خضم الحرب العالمية الثانية وسقوط باريس ومجيء حكومة “فيشي” الموالية للألمان، حاول القاوقجي الاستفادة من الظروف الدولية الجديدة فاتصل بالجنرال “دانتز” ممثل حكومة “فيشي” في الشرق، وطلب منه إعلان استقلال لبنان وسورية فوافق “دانتز” على ذلك.. في وقت كانت خلايا القاوقجي لا تزال تقاوم في فلسطين والعراق .. بعد فشل ثورة الكيلاني ولجوئه الى ايران. وفي هذا الجو، وأمام إتساع شعبية القاوقجي في كل المشرق العربي، فقد صارت بريطانية تنظر اليه على انه عدوها الرقم واحد.. حتى لقد سُئِل تشرشل حينها في مجلس العموم البريطاني عن مصير القاوقجي إذا ما وقع في الأسر فأجاب:  الإعدام. ألأمر الذي جعل أحرار العالم كله ينظرون اليه على أنه بطل قومي تحرري لا يساوم ولا يهادن..

وبالفعل فما كادت الحرب تضع أوزارها حتى كان وجود الاستعمار الفرنسي والانكليزي في المشرق العربي قد صار مستحيلاً. فأُعلن استقلال سورية ولبنان والعراق بعد ذلك. ولكن القاوقجي تابع نضاله وجهاده باتجاه فلسطين مركِّزاً على قضيتها فراح يجوب المدن والمناطق يهيء ويحشد وينظم.. الى أن حطت به الرحال في مدينته طرابلس الشام في الثامن من آذار عام 1947م. وإذا هبت المدينة بأكملها لإستقباله والاحتفاء به… وإذ هو محمول على الاكتاف وسط جموع غفيرة من الرجال والنساء والأطفال.. فإن جهةً ما، كانت قد خططت بليل، أطلقت النار على الجموع المحتشدة في ساحة المدينة المركزية بشكل عشوائي وكثيف.. ما أدَّى إلى سقوط أكثر من مئة قتيل وجريح من الأبرياء .. فاضطر القاوقجي الى مغادرة المدينة وسط موجة من التكهنات والتحليلات المتضاربة.. ولكن دون أن تثني القاوقجي عن متابعة تحقيق أهدافه وغاياته.

عام 1947م. أسندت جامعة الدول العربية الى فوزي القاوقجي قيادة “جيش الإنقاذ” للدفاع عن فلسطين وقضيتها العادلة وذلك على أثر المعارك الضارية في فلسطين بين العرب واليهود.. فدخل القاوقجي المعركة وأبلى بلاء حسناً في كل المعارك التي خاضها مع مجاهديه ضد الانكليز واليهود الصهاينة … إذ كان معه فرق عسكرية من سورية ولبنان والأردن والعراق. بالاضافة الى عدد كبير من المجاهدين العرب الذين تقاطروا اليه من كل الوطن العربي مستبسلين في القتال حتى الموت… ولعل معركة “المالكية” من أهم المعارك التي خاضها القاوقجي بنفسه بفرقتين من الجيشين ” اللبناني والسوري” وهي المعركة التي، كما يرى المحللون الاستراتيجييون أنقذت جبل عامل  (الجنوب اللبناني) من الوقوع بأيدي الصهاينة . وأسفرت عن خسائر باهظة تكبدها الأعداء.. ومن ثم عن بدء انهيار المشروع الصهيوني في كل فلسطين بعد سلسلة الاجتياحات التي تقدمت فيها قوات القاوقجي حتى مشارف تل أبيب… وبدا معها أن تحرير كامل فلسطين مسألة أيام فقط.. ومرة أخرى تدخلت الدول الغربية لدى الانظمة العربية فأوقفت هذه دعهما ومساندتها… بل وراحت ، الواحدة تلو الأخرى، تأمر قواتها  وفرقها في جيش الإنقاذ بالإنكفاء والإنحساب.

وفوجئ القاوقجي بإبرام الهدنة بين الأنظمة يومذاك والصهاينة وأدرك أن التآمر قد فعل فعله في اللحظات الحاسمة… وإذ بقي على الأرض هو والمجاهدون فقط.. وأمام انقطاع المؤن والنقص في العتاد والذخائر فقد انسحب الى جنوب لبنان وقدم استقالته الى الامين العام لجامعة الدول العربية عبد الرحمن عزام.. ثم انسحب بعد ذلك عن مسرح الأحداث وهو يحمل مرارة الخيانة والتآمر ويشرب كأساً فُرضتْ عليه فرضاً.. ومن بعده على الأُمة كلها.. وما تزال.

عاد فوزي القاوقجي الى دمشق بعد أن وقَّعت الأنظمة اتفاقيات الهدنة في رودس، ثم انتقل الى بيروت ليعيش فيها بشبه عزلة تامة وسط ظروف مادية ونفسية صعبة وأليمة.. ثم راح بعد ذلك يكتب مذكراته ويدون ملاحظاته.. مؤثراً الإنسحاب من الحياة العامة، وكأن هذه الدنيا لا تستحق سوى ركلة قدم.. ليس إلا. وبقي كذلك الى أن وافته المنية في كانون الأول من العام 1976م.

أنفق فوزي القاوقجي شبابه مجاهداً مؤمناً.. ورحل بصمت الى جوار ربه بعد أن ترك بصمات واضحة في خط المقاومة وفي ميادين الوحدة والحرية والجهاد.. ثم جاءت الأحداث والوقائع لتؤكد صحة آرائه ومواقفه.. وإشراقة صورته في سجل العظماء والخالدين.

 

آثاره

     ترك فوزي القاوقجي مذكراته التي صارت مصدراُ هاماً من مصادر التاريخ لأَهم المحطات التاريخية في القرن العشرين بما حملته من سجلات للوقائع والأحداث، وبما كشفت عنه من أسرار أضاءت على مراحل هامة من تاريخنا المعاصر. ولقد احتوت هذه المذكرات على العديد من الوثائق التي غنمها في جهاده الطويل وفيها وقائع خطيرة عن المستعمرين والمتآمرين كما سجلات حافلة عن المجاهدين والمخلصين لقضايا أمتهم وشؤونها وشجونها.

 

المصادر والمراجع

   دروزة، محمد عزة: القضية الفلسطينية في مختلف مراحلها. المكتبة العصرية، صيدا، 1956-1959 م

   الريس، منير: الكتاب الذهبي للثورات الوطنية في المشرق العربي. دار الطليعة، بيروت، 1969م

   زهرالدين، صالح: موسوعة رجالات من بلاد العرب. المركز العربي للأبحاث والتوثيق، بيروت،2001 م.

   القاوقجي، فوزي: مذكرات فوزي القاوقجي (جزءان) إعداد خيرية قاسمية، مركز الأبحاث الفلسطيني ودار القدس، بيروت، 1975م.

   الكيالي وزهيري، عبد الوهاب وكامل: الموسوعة السياسية. المؤسسة العربية للدراسات، بيروت، 1974م.

        المنجد، طلال: يوم القاوقجي في طرابلس. جريدة التمدن، طرابلس، 2/4/2010م.

        الموسوعة الفلسطينية. إعداد هيئة الوسوعة، دمشق، 1984م.

   يوسف، محمد خير رمضان: تتمة الأعلام للزركلي. دار ابن حزم، بيروت ، 1418 هـ/ 1998 م

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التصنيفات
من علماء طرابلس

الأديب صموئيل يني(جديد)

الأديب صموئيل يني

 

الأستاذ معتز مطرجي

 

     ظهر صموئيل يني في نهاية القرن التاسع عشر، ونال شهرة في عالم الشعر والترجمة والبحوث الفلسفية والكتابات الصحفية، وأخذ مكانة مرموقة بين كبار شعراء عصره ومفكريه.

التصنيفات
من علماء طرابلس

الشيخ محي الدين سلهب (جديد)

الشيخ محي الدين سلهب

 

الأستاذ معتز مطرجي

 

 

    ليس القول المرسل في المتصوف الأديب الشاعر الشيخ محي الدين سلهب من نهاية نقف عندها، فهو عالم زاخر بالعلوم الشرعية والأدبية، التي تظهر قدراته ومواهبه، ومن ينصرف الى دراسة حياته، وتحليل شخصيته، يقف على ما تخللها من نعيم النفس وصفاء السريره، فيهتز للمشاعر الفياضة التي اجتاحته في التقرب الى الله، والعشق الإيماني الذي جعله يدنو من الصوفية بمعناها الشامل، وبشعلة التوحيد التي تظهر بنارها وتهدي بنورها.

   وبالاضافة الى ذلك كان من الشعراء البارزين في عصره، والشعر كما دعوه أجمل انواع التعبير عن الأحاسيس وأسماها وأبلغها. كان الشيخ محي الدين طرابلسياً عربياًَ مسلماً، متوارثاً تقاليد آبائه وأجداده من نابلس الى طرابلس، يدافع عن الأرض التي ولد فيها وترعرع، وورث الصفات الحميدة الثلاث: الايمان والصبر والقناعة، فقد كان طاب ثراه بعيداً عن توافه الدنيا وصغائرها كصوفي زاهد. وجاء في كتاب تراجم علماء طرابلس وأدبائها للمؤرخ عبد الله حبيب نوفل ما يلي:

وقرأت في (ديوان الأفلاذ الزبرجدية) لناظمه شاعر سوريا الكبير عبد الحميد الرافعي هذه الجملة، قال: حدثني العالم الشاعر محي الدين أفندي سلهب أنه اعترته شدّة في بعض أسفاره، فالتجأ في سرّه للقطب الكبير السيد الرفاعي، ونام، فرآه في نومه يبشّره بالفرج وينشده هذا البيت:

ومن كان للقطب الرفاعي ينتمي فلا يختشي ضيما وليس يضار

فانتبه وقد زال كربه، فنظم قصيدة رائعة نختار منها هذه الأبيات:

على مدد القطب الرفاعي أحمد شؤون جميع الأولياء تدار

ولا مدد في الكون يوجد في الورى لَعْمرك إلا من سناه يُعار

لقد بتّ يوماً والخطوب تنوشني وفي القلب من عظم الكروب وار
فناديتُ يا شيخ العريجا أغث فتىً له في هواكم ذمّة وجوار

الى أن يقول:

ونمت فوافاني لدى سنة الكرى وقد ادهشتني هيبة ووقار

وأنشدني ذا البيت وهو الذي يلي وفيه لتفريج الكروب يشار

ومن كان للقطب الرفاعي ينتمي فلا يختشي ضيما وليس يضار

وقمت وأقداح المسرّة والصفا عليّ بسرّ ابن البتول تدار

 

   ولد الشيخ محي الدين سلهب في طرابلس سنة 1834م ودرس في كتاتيبها وتتلمذ خصوصاً على العلامة الشيخ عبد الغني الرافعي، ثم إنتقل الى الإستانة لمتابعة تحصيله العلمي، بعد عودته تعيّن رئيساً لكتبة المحكمة الشرعية في عكار ثم تولى القضاء في حصن الأكراد والناصره وحيفا بعدما صار أميناً للفتوى في طرابلس، وأقامه المجلس البلدي وكيلاً عنه لملاحقة الدعوى التي أقامها على إدارة شركة التراموي الوطنية وربح الدعوى.

   لمترجمنا آثار أدبية قيمة، منها رواية سماها “فخر العرب” أجاد فيها كل الإجادة ومُثّلت في طرابلس، كما له ديوان شعر كبير يقول فيه مداعباً:

قالت وقد رأت الشراريب التي علقتها الناس أعلى فوسها:

ما هذه الأذناب تخفق في الهوا فوق الرؤوس ولم نجد تأسيسها

فأجبتها: الناس ماتوا وانقضوا وخلَتْ جميع الارض من مأنوسها

واستخلفتها بهائم أذنابها للعكس قد خلفت بأعلا روسها

 

    سار مترجمنا في هدي مبادئ الصوفية الرفاعية الصافية، وكان وراء عمامته علم جم وروح مؤمنة، وخلّف نجله الدكتور أسعد الذي أجبره موقفه من الإنتداب الفرنسي على الرحيل من طرابلس الى مصر، وهناك قام بنشاط في خدمة القضايا العربية وشارك في تأسيس نادي الاتحاد العربي سنة 1942. توفي الشيخ محي الدين سلهب في أوائل القرن الهجري 1300.

التصنيفات
من علماء طرابلس

المربية سليمى مولوي (جديد)

المربية سليمى مولوي

 

الأستاذ معتز مطرجي

 

    في الستينات من القرن الماضي انحدرت دمعةٌ ساخنةٌ حرّى على خدّ سيدة رقيقة العاطفة، شاءت الأقدارُ أن يبتلي أحدُ مواطنيها في منطقة أبي سمراء بمصيبة فانتحر، ولم يستطع ذووه وقريبوه مدَّ يد المساعدة اليه، فمسّت هذه الحادثة فؤادَ سيدتنا الفاضلة، وأحيتْ في طيب أصلِها أصولَ المرحمة، فأسرعت تستجمع جوانب الإنسانية في نفسها بعزيمة المؤمن بالله وبالعمل الصالح، وتلتقي مع سيدات من رفيقات الدرب ليلبين نداء الإنسان الضعيف المستغيث، وكان ذلك إيذاناً بمولد جمعية التضامن الإجتماعي.

التصنيفات
من علماء طرابلس

الصحافي رهيف الحاج

الصحافي رهيف الحاج

 

 

الأستاذ معتز مطرجي

 

    ابن صاحبة الجلالة، عكاري الأصل، طرابلسي المولد، نشأ وترعرع تحت سماء الفيحاء الصافية، وتفتحت عيناه على بلد الايمان والعروبة، كان رحمه الله يملك املاً وثاباً ويحمل احلام الشباب تحفزه عزيمة وارادة، عصامي فذ، بنى نفسه بنفسه واوجد كيانه الصحافي والاجتماعي بحنكته ورويته، دمث الاخلاق، شخصيته محببة للناس يلمسون في نفسه نزعات انسانية متألقة تكشف عن ارق خلجاتها والوانها، وعلى وجهه تشعر باطمئنان داخلي ينم عن سريرته الشفافة.

كان يقدس روابط الزمالة ويحترمها، ويرى أن من واجب الصحفيين أن يكونوا متحابين غير متنافرين يعملون في خدمة صاحبة الجلالة، وهي خدمة المجتمع والوطن بصدق وأمانه وجرأة باعتبار أن الصحافة سجل لا يُمحى من ذاكرة التاريخ لأنها شاهد على مدى الأوقات والأزمان ومراقب للوقائع والأحداث وهي احدى الوسائل التي سيطرت على عقول الرأي العام.

ولد محمد رهيف ابن الشيخ علي الحاج في طرابلس سنة 1914 في أحد الأسواق القديمة بمنطقة السويقة ورقم سجله 156، وأصوله من قرية الحاج بعكار.

درس بكتاتيب طرابلس وتعلم القراءه والكتابه والقرآن الكريم، ثم دخل المدرسة السلطانية، وترك المدرسة وأرسله أبوه الى أقارب له في فريتاون بافريقيا، وعندما لم يجد نفسه هناك رجع بعد سنة الى طرابلس لينكب على المطالعة وقراءة الكتب الأدبية والأجتماعية والثقافية واجتهد حتى نال نصيباً وافراً من العلم، واخذ يراسل الصحف في بيروت كما مارس الكتابة في جريدة الشباب لصاحبها الأديب سميح القصير، وتعاون مع صديق الصبا والشباب سميح البابا الذي دخل السلك الديبلوماسي وأصبح فيما بعد سفيراً.

تزوج مترجمنا من قريبته لكنه ترمل باكراً بعد أن انجبت له ولدين هما القابلة القانونية منى والعميد المتقاعد فاروق الحاج، ورفض من بعدها الزواج متفرغاً بكليته للعمل الصحفي والشأن العام.

في سنة 1937 بدأ مشواره مع الصحافة عندما حصل على امتياز لرخصة مطبوعة غير سياسية هي صوت الفيحاء، وواجه صعوبات عديدة، وعندما خالف قانون المطبوعات صدر عن رئيس الجمهورية بناء على اقتراح وزير الداخلية مرسوم بتوقيف الجريدة عن الصدور سنة 1944 وبعد معالجة أسباب توقيفها عاودت الصدور، وفي سنه 1949 اصبح مالكاً لامتياز جديد باسم صوت الفيحاء لكن بصيغة تسمح له بتعاطي الأمور السياسية، وكانت المنبر الحر الذي يوجه ويرشد وينصح ويدافع عن حقوق طرابلس ولبنان ويقف بكل جرأة وصلابة الى جانب القضايا العربية، ومن خلال مهنته الصحافية تعرف على معظم رؤساء الجمهورية والحكومة وأقام معهم علاقات وديه ولقاءات عديده، وخصوصاً دولة الرئيس رشيد كرامي الذي ربطته معه صداقة ومودة، وكان منزله على موعد شهري يجتمع فيه رجال السياسه والفكر والمجتمع يتشاورون فيما يخص شؤون وشجون طرابلس، كما اقام علاقات مع ملوك ورؤساء وامراء العرب.

وشغفه وحبه لمهنة الصحافة واندفاعه الى حلبتها جعلاه يتبنى تعليم اثنين من طلاب العلم حتى حصولهما على ليسانس صحافة، واحد تخرج من جامعة القاهرة والثاني من جامعة بيروت العربية واحدهما يمارس حتى اليوم عمله الصحفي.

وبعد معاناة مع المرض فاضت روحه الى بارئها في الخامس من شهر آذار من العام 1984 ،ونعته نقابتا الصحافة والمحررين، ورحل تاركاً وراءه السمعة الطيبه والأخلاق الرفيعة، وقد رثاه صديقه الشاعر عطفت شعبان بقصيده طويله بعنوان” دمع البيان” هذا بعض منها:
بكتِ الفيحاء في دمع البيان

صوتها الرنان في كل مكان

بكتِ الفيحاء تنعي قلماً

ذاد عنها في العوادي منذُ كان

وتفانى في هواها عُمُراً

يبتغي مرضاتها في كل شان

إنه ذاك العصامي الذي

جعل الحرف فخاراً في الكيان

بل رهيفاً مرهفاً في كفه

يتحدى كلَ ظلاّمٍ… وجان

إنه الحاج ولا ريب به

من هدى الناس بخطٍ أو لسان.

الى أن يقول

فانعم اليوم أبا الفاروق في

رحمات الله بالأمن المصان

بهناء الراحة الكبرى على

سُرر الخلدِ بطلِّ المكرمان

وكان الاستاذ رهيف الحاج قد اوصى باهداء مكتبته العامره الى الرابطة الثقافية ونفذت الوصية
ليت بلدية طرابلس تطلق اسمه على أحد شوارع المدينة تقديراً لعطاءاته في الشأن العام.

 

التصنيفات
من علماء طرابلس

المهندس رشدي سلهب

المهندس رشدي سلهب

 

 

الأستاذ معتز مطرجي

 

     إن الاقدار تجعل للانسان سمعةً مدويةً، نتيجة عمل مبدع او انجاز كبير، تلك السمعة المترددة بين آسيا والبرازيل تتوقف عند الجهد المثمر والعبقرية الفذة، التي ساعدت على سيرورة ذكر رشدي سلهب عبر السنين ليصبح حديث الاجيال، واخاله لن ينقطع ما قُرئ تصميم هندسي انمائي أو نفذ مشروع سد مائي.

لقد ادرك رشدي سلهب وهو في بدايات القرن العشرين أن الماء ليس مهماً للحياة فحسب بل إنه الحياة نفسها، وان قضية المياه واستخدامها، ستكون من أهم قضايا العالم التي ستأخذ طابع الصراع، تلك الأنهار التي تجري من خلال حدود الدول بين المنابع والمصبات، فذهب الى عاصمة الدولة العثمانية استنبول ثم الى عاصمة النور باريس ليتخصص بهندسة المياه والسدود وينال الاعجاب.

رشدي سلهب مهندس قدير اثبت جدارة عالية فخدم موطنه طرابلس ورفع فيها المستوى الصحي والبيئي، فصمم خزاناتها المائية ونفذ شبكة الانابيب التابعة لها، وقبلها اعطى كلاً من سوريا وتركيا والبرازيل مشاريع مائية ناجحة وناجعة، فكرّمته حكومات هذه البلاد ووضعت لوحات تذكارية اعترافاً بفضله ومقدرته، حتى أن رئيسة دير صيدنايا شمالي دمشق حملت صرة من الليرات الذهبية وقدمتها له جزاء عمله، فاعتذر بكبرياء وانفة وعفة نفس عن تسلم اي شيء، واعتبر ما قام به عملاً لوجه الله وخدمة الانسانية.

ولد رشدي سلهب في طرابلس سنة 1885 ونشأ في كنف أب شفيق هو الشيخ أحمد سلهب وأم حانية هي خديجة عدوي،وحظي بعلماء أجلاء ولاقى اساتذة في الدين واللغة، ودخل كتاتيب ذلك الزمان، شأنه شأن العشرات والمئات من أبناء الفيحاء فتربى وتدّين وتثقف وسافر الى استنبول وتابع دروسه فدخل كلية الهندسة، ثم توجه الى باريس والتحق بالمدرسة العالية للأشغال العامة، وتخصص بهندسة المياه والسدود، وبعد تخرجه عمل في فرنسا ثم أنتقل الى تركيا فسوريا ولبنان، وكان في كل هذه البلدان يتسلم ادارة مشاريع الاشغال العامة، وطلبته حكومة البرازيل واختارته من بين عدد من المهندسين الاكفاء في انحاء العالم ليقوم بتصميم وتنفيذ مشروع حماية مدينة ريو دي جينيرو من كوارث السيول والأمطار التي كانت تؤرق هاجس السكان في فصل الشتاء.

وقصة مياه دير صيدنايا (الشهير بدير السيدة، هو مزار بناه الامبراطور البيزنطي الشهيد يوستينيانُس) قصة يرويها المهندس فريد رشدي سلهب بكل فخر واعتزاز بواسطة صديقتنا الاستاذة هدى سلهب فيقول:

بعد أن يئست رئيسة الدير من استشارة المهندسين الكثر، الذين أفادوها بعدم جود ماء، طلبت من مترجمنا، وقد ذاع صيته في البلاد، دراسة امكانية حفر بئر، وافادها بتوفر المياه على عمق سبعين متراً، وباشرالعمّال فوراً الحفر اليدوي، ومنعهم من استعمال المتفجرات لأن ذلك يضر بعملية ظهورالمياه، واستمروا في الحفر حتى وصلوا الى العمق الذي حدده، ولم ينفجر الماء كما وعد، بل وجدوا طبقة رطبة، فأشار رشدي سلهب بالحفر ثلاثة أمتار ايضاً، واذا بالماء يسري بغزارة.

ومن المشاريع المائية التي نفذها:

1- مشروع مياه الفيجه

2- مشروع مياه بورصة في تركيا.

والمهندس رشدي سلهب ينتمي الى أسرة سلهب الطرابلسية التي تقول المصادر التاريخيه أنها ترجع بأصولها الى بني تميم في فلسطين، وتميم قبيلة عربية انجبت أعظم شعراء الجاهلية، وكانت لغتها حجّة بين لغات القبائل، ومنهم الصحابي تميم الداري، وسلهب اسم عربي يعني الطويل من الرجال.

لقد غدا رشدي سلهب، وهو اللقب الذي منحه اياه السلطان العثماني، واثبتوه على لوحة التكريم، غدا عاملاً في ثراء الهندسة المائية، وليكون مثلاً يحتذى في تصاميمه وانجازاته، فكان من الحق أن يذكر بالفضل وهو به حري.

توفي في طرابلس سنة 1949، وكان له جنازة مشى فيها اعيان وعلماء البلد، رحمه الله.

التصنيفات
من علماء طرابلس

الأديبة جيهان غزاوي(جديد)

أديبة الفيحاء جيهان غزاوي

 

الأستاذ معتز مطرجي

 

    أديبة طرابلسية، تألقت في مجتمع ذكوري محافظ، خرجت عن نمط الحياة الرتيبة التي كانت تعيشها المرأة، وفكت غلال القيود الإجتماعية، وكأنها أخذت من اسمها الفارسي: الدنيا والعالم، محطة انطلاقة ادبية الى لبنان والعالم العربي. ظهرت نباهتها ووعيها….وهي دون العاشرة، فسجلت في دفاترها المخطوطة، خواطر ومذكرات على قدر كبير من الإدراك.

التصنيفات
من علماء طرابلس

الشيخ محمد علي الشهال

الشيخ محمد علي الشهال

 

                                            الأستاذ معتز مطرجي

 

 

    في أواخر القرن التاسع عشر ظهر في طرابلس عالم نابغة من نوع مفرد، جمع العلوم الكيميائية الصناعية وعلوم الفلك، وبرع في آداب اللغة العربية، قام بتفسير القرآن الكريم بأسلوب سهل مختصر، وكتب رسالة في إستخراج الزيوت من النباتات، ثم ألّف رسالة في تربية دود القزّ نال على أثرها جائزة من الحكومة العثمانية مع وسام مذهّب، وتمكن من تركيب المتفجرات بدون ان يطلع على اختراع ألفرد نوبل الكيميائي السويدي سنة 1866، وصفه صاحب كتاب تاريخ طرابلس سميح الزين بنابغة طرابلس بلا مِراء، وعالمها الذي لا يجارى، كما أفرد له المؤرخ عبد الله نوفل حيزاً في كتابه تراجم علماء طرابلس، عدد فيه مآثره وإنجازاته.

ولد محمد علي بن يوسف الشهال سنة 1868 من أسرة معروفة بطرابلس تمتُّ بصلة النسب الى آل سيفا حكام طرابلس وعكار وحصن الاكراد، وشهال عند العرب، اسم قديم سمّي به أحد بطون حِْميَر، كما جاء في الإشتقاق لابن دريد، ولفظه مشتق من قوله: عين شهلاء اي ذات شهَلَ، والشهل أقل من الزرقة في حدقة العين وأحسن منها، أما المنجد فيقول ان بني سيفا هم أمراء من التركمان المماليك، كما يؤكد المؤرخ نوفل، انه اطلع على حجج ووثائق شرعية ممهورة بأختام قضاة ومفتين تؤكد صحة اتصالهم بنسب آل سيفا.

تلقى مترجمنا تعليمه الاول في طرابلس، ولازم الشيخ حسين الجسر لمدة عشر سنوات، ثم إنقطع للتدريس، وعندما اختاره البطريرك غرغوريس لتدريس اللغة العربية في مدرسة كفتين، قام بكتابة رسالة في علم المعاني والبيان بشكل موجز، وجعلها سهلة المأخذ لتعليم الطلبة بطريقة ميسرة، كما ألقى دروساً في مدرسة الفرير.

سافر الى الاستانة عاصمة دولة الخلافة للحصول على مزيد من العلم والمعرفة، وبعد عودته شرع في تأليف بحث بعلم الفلك، بأسلوب سلس يفهمه أكثر الناس، وخلال الحرب العالمية الاولى، ونظراً لانقطاع ورود المواد الكيمائية، إشتكى اليه دباغو طرابلس لكثرة ما يعانونه من طول المدة التي تستغرقها دباغة الجلود، فهداهم الى طريقة سهلة تمكنوا معها من إنتاج دباغات جيدة بفترة قصيرة. ومما يروى عنه، انه خلال العهد الحميدي، كان أرباب العلم ورجال الدين يعفون من الخدمة العسكرية، شرط تقديم امتحان امام اللجان الفاحصة، وكانت اللجنة تتقاضى من المتقدمين مالاً بصورة غير مشروعة لإعفائهم، وحين جاء دور الشيخ محمد أبدى للوسيط عدم رغبته بدفع اي شيء، وقال على اللجنة ان تسأل ما تريد، وخلال الامتحان شدد أعضاء اللجنة عليه بأسئلتهم ظناً منهم إحراجه وإخراجه، إلا أنه أدهشهم بأجوبته السريعة المحكمة، واعترفوا له بمقدرته وعلمه وذكائه وسعة إطلاعه، في حين كان بعض اعضاء اللجنة لا يحسنون الاجابات الصحيحة، وهكذا أعفي من الخدمة العسكرية.

ويذكر المؤرخ نوفل ان للشيخ محمد الشهال خدمات وطنية تذكر بالشكر، وكانت زاويته قرب الجامع الكبير ملتقى العلماء والادباء، وكان يقدم لزواره وجلسائه أطيب أنواع السكاكر. وفي كل مرة كان يطعمهم نوعاً جديداً لم يسبق ان تذوقوه، وكله من صنعه وابتكاره. وتذكر كتب التاريخ واصفة إياه بحسن المعشر ورضى الاخلاق والوفاء لأصدقائه.

في آخر أيامه أصيب بحمى التيفوئيد حيث لم تنفع نطاسة الاطباء، فتوفي على أثرها سنة 1918. رحمه الله وأنابه.