تراث طرابلس

التصنيفات
من علماء طرابلس

الدكتور عزمي رجب

الدكتور عزمي رجب

(1923-1981)

  الباحث والمؤلف في الاقتصاد.

  من مواليد طرابلس. درس في دار التربية والتعليم الإسلامية (الكلية) بطرابلس ونال شهادة البكالوريا اللبنانية- القسم الثاني. ثم قصد القاهرة للتخصص في العلوم الاقتصادية، فنال الإجازة فيها، ثم تابع دراساته العليا في الاقتصاد، في فرنسا وبعودته إلى لبنان درّس الاقتصاد السياسي في كلية الحقوق والعلوم السياسية التابعة للجامعة اللبنانية، وذلك منذ تأسيسها في العام 1959-1960.

  وعندما أنشئت الفروع الجامعية على أثر الحرب اللبنانية 1975-1976، عين مديراً للفرع الأول في كلية الحقوق، وقد شغل هذا المنصب حتى وفاته في العام 1981.

  كان عضواً مؤسساً لندوة الدراسات الإنمائية في بيروت التي ترأسها الدكتور حسن صعب، وشغل منصب المستشار الاقتصادي في الهيئة الإدارية، وله مساهمات علمية نشرت في منشورات الندوة، كما ترك عدداً من البحوث والدراسات لا تزال مخطوطة، وقد حالت وفاته المبكرة دون نشرها.

  وكان من خلال تدريسه مبادئ الاقتصاد أعد محاضرات لطلاب السنة الأولى- حقوق- منذ العام الدراسي 1959-1960 ثم طورها وأغناها ونشرها في جزءين، وهي تحمل العنوان التالي:

  مبادئ الاقتصاد السياسي. دار العلم للملايين، الطبعة الأولى، بيروت، كانون الثاني 1964. الجزء الأول في 328 صفحة، والجزء الثاني في 248 صفحة من القطع العادي.

التصنيفات
من علماء طرابلس

أكرم محمد نوري صوفي

أكرم محمد نوري صوفي

(1920-1986)

  الأديب الوجداني

  هو ابن محمد نوري الصوفي حفيد والي طرابلس محمد باشا الصوفي. كان والده أديباً وشاعراً بالعربية والفارسية والتركية. درس في اسطنبول ونال شهادة الحقوق من جامعتها. وهو منشئ جريدة “الثريا” في طرابلس في العام 1920 أي في السنة التي ولد فيها أكرم.

  درس أكرم في مدارس طرابلس “ونشأ في عائلة عريقة برزت فيها غير شخصية شعرية وقضائية”.

  وتعلق بالحرف منذ صباه ونشأت بينهما صداقة ومودة، ما لبثت أن نمت مع ميله نحو الصحافة. وقيل إنه بدأ يراسل الصحف الشمالية ولما يتجاوز الخامسة عشرة من عمره.

  وعندما اشتد عوده، وعرفت موهبته الأدبية، كان من المشاركين في تأسيس الرابطة الأدبية الشمالية التي ضمت في حينه 1938 العديد من أدباء الشمال. وحرر في مجلة “الأفكار” وهي المجلة التي كانت لسان حال الرابطة. كما كتب لغيرها من المجلات والصحف، كالأخبار والرائد والمستقبل والجمهور والإنشاء والاتحاد اللبناني وصدى الشمال.. وكان يوقع بعض مقالاته باسم “كنعان”.

  والى جانب نشاطه الأدبي شغل أكرم صوفي منصب رئيس مصلحة الاقتصاد في الشمال فترة طويلة، وانتدب مرات عديدة لتمثيل لبنان في مؤتمرات اقتصادية في الخارج.

  وكان له دور مرموق في أحداث السنتين يوم تقطعت أوصال البلاد، فعمل بكل جد وتفان وإخلاص مع التجمع الوطني للعمل الاجتماعي الذي ضم الجمعيات والروابط الناشطة والفاعلة في طرابلس، ليؤمن للمدينة والشمال اجمالاً، ما تحتاجه من مواد وفي طليعتها القمح والمحروقات.

 

التصنيفات
دراسات في تاريخ طرابلس وحاضرها

سوسيولوجيا العمل الأهلي والبلدي نموذج طرابلس

سوسيولوجيا العمل الأهلي والبلدي
محددات التكامل وعناصر التباعد
نموذج طرابلس

                                                               د. عبد الغني عماد
أستاذ في الجامعة اللبنانية
                                                          معهد العلوم الإجتماعية

   تصاعد الإهتمام على مستوى العالم في  الآونة الأخيرة بدور الجمعيات والهيئات الأهلية غير الحكومية ، وقد حظي دورها التنموي بإهتمام خاص في دول العالم الثالث ، الذي تعتبر التنمية التحدي الأساسي بالنسبة له وتعتبر الجمعيات الأهلية عموماًَ وسائط إجتماعية للتغيير الإجتماعي ، وهي على الرغم من أهميتها في مجتمعاتنا لا تزال تعاني من معوقات كبيرة تمنعها من أن تكون إطارافعالاً لتحقيق التنمية والمشاركة والتكامل .

   ولكي يقوم العمل الأهلي بهذا الدور لا بد من تحديد معالمه وآلياته ومعوقات تطوره ، وتقديم قراءة نقدية لتجربته طيلة المراحل الماضية وهذا ما تطمح اليه  هذه الدراسة .

   ولا شك ان تقاليد العمل المشترك في المجالات التنموية والإجتماعية والسياسية لا تزال متواضعة في مجتمعاتنا ، بل إننا نفتقر الى الخبرة والتجربة في هذا المجال ، إذ لم نقل أننا نفتقر الى الإرادة والقناعة بالعمل المشترك وأهمية المشاركة والتكامل كفعل جماعي يتخطى حدود التكوينات التنظيمية المتناثرة في زوايا المجتمع .

   كيف يمكن بناء هذه القناعة ومراكمة الخبرة والتجربة ؟ كيف يمكن تدعيم أواصر التعاون بين التنظيمات الأهلية وشركائها في مؤسسات الخدمة العامة البلدية؟ وكلاهما خرج من رحم المجتمعات الأهلية سواء بالإنتخاب او بالتجمع والتكتل في أطر العمل الطوعي ؟ ومعاً يستهدفان تقديم الخدمات التنموية والإجتماعية ويتنافسان على نفس الساحة بدل أن يتكاملا في شبكات من العمل الذي يتيح تبادل الخبرات وإغناء التجربة ومضاعفة الخدمات .

   ما هي الشروط الموضوعية لإزالة الإلتباس وتشكيل أرضية تفاهم ورأسمال ثقة يحددان مجالات التخصص وضوابط التعاون أولاً ، ويرسيان ثانياً تقاليد جديدة للتخطيط والعمل المشترك ؟

   هذه التساؤلات الإشكالية تشكل خلفية الدراسة التي تعتمد طرابلس كإطار تحليل ميداني , وهي تعتمد من الناحية المنهجية على مقاربتين أساسيتين :

أ‌- المقاربة الوظيفية  Functional approach 
ب- المقاربة البنيوية  Structural approach     

وقد إعتمدت الدراسة مقابلات وإستمارة إستبيان في نموذجين متشابهين لكل من البلديات والجمعيات تم ملؤها وفرزها بمساعدة فريق من طلاب الجامعة اللبنانية ـ معهد العلوم الإجتماعية في الفرع الثالث ، فضلاً عن قراءة تحليلية للأساس القانوني وظروف نشأة العمل الأهلي في المجتمع الطرابلسي .

 أولا : في الأساس القانوني للعمل الأهلي والبلدي :

   في المفهوم القانوني تعرف البلدية بأنها : ” إدارة محلية تقوم ، ضمن نطاقها بممارسة الصلاحيات التي يخولها إياها القانون ” . وصلاحياتها تشمل كل عمل ذي طابع او منفعة عامة ، وقد إعتمد المشترع منحى واضحاً في توسيع هذه الصلاحيات على قاعدة الشمول بحيث عددّها ” على سبيل المثال وليس على سبيل الحصر ” بهدف عدم التضييق وإنسجاماً مع توسيع الدور .

   والقانون يرسم ملامح الدور التنموي الذي يمكن للبلدية ان تلعبه ، بدءاً من تحديد معدلات الرسوم ووضع دفاتر الشروط لصفقات اللوازم والأشغال والخدمات، وصولاً الى برامج الأشغال والتجميل والتنظيفات والشؤون الصحية ومشاريع المياه والإنارة وتخطيط الطرق وتقويمها وتوسيعها وإنشاء الحدائق والساحات العامة ووضع تصاميم البلدة ، والمخطط التوجيهي العام بالتعاون مع التنظيم المدني ، فضلاً عن إنشاء الأسواق والمنتزهات والملاعب والمتاحف والمستشفيات والمستوصفات والملاجئ والمكتبات والمساكن الشعبية ، وكافة عناصر البنية التحتية .

   وهناك المزيد من الصلاحيات بحيث يستطيع المجلس البلدي أن ينشئ او يدير مباشرة او بالواسطة المدارس الرسمية ودور الحضانة ، والمدارس المهنية ، والمساكن الشعبية والمستشفيات والمصحات ودور السينما والمسارح وغيرها ، إضافة الى مراقبة سير المرافق العامة وإعداد تقارير عن سير العمل فيها  الى الإدارات المعينة .

   المشكلة أن التطبيق العملي أفرغ هذا القانون من مضمونه ، فالحكومات المتعاقبة والسياسيون المهيمنون كانوا دائماً متخوفين من قيام مجالس بلدية قوية ، ولعل ذلك ما يبرر تعطيل الإنتخابات البلدية وتأجيلها المتكرر ، فمنذ الإستقلال لم تجر سوى ثلاث عمليات إنتخابية بلدية ( 1953 و 1963 و1998 ) أي بمعدل دورة كل 18 سنة ، في حين صدرت ثمانية قوانين بلدية وعشرة قوانين اومراسيم لتنظيم العمل البلدي  ، أي بمعدل مرسوم كل أربع سنوات تقريباً . وهذا ما يعكس غياب الإستقرار التشريعي فيما يتعلق بالبلديات ، ويبرر ضعف تقاليد العمل البلدي وتبعيته ، وهيمنة القائمقامين والمحافظين على نصف عدد البلديات تقريباً .

   ويشكو العديد من رؤساء البلديات من أن الإستقلالية التي أعطاها القانون للبلدية سلبت منها في التطبيق العملي من قبل السلطة المركزية فالرئيس السابق لبلدية طرابلس يقول انه في العودة الى المواد 59 وحتى62 ضمناً ، نجد ان 6 أنواع من القرارات تصبح نافذة دون تصديق ، و 10 تحتاج الى تصديق القائمقام و 6 تحتاج الى تصديق المحافظ ، و 11 لا تصبح نافذة إلا بعد تصديق الوزير . ويمكن الإستشهاد بالعديد من المعاملات  التي غرقت في غياهب الإدارة المركزية رغم الحاجة الملحة اليها ولدى رؤساء البلديات قصص وأمثلة ومعاملات عديدة قضت سنوات دون أن يتم الإفراج عنها . هذا الواقع يدعو الى إعادة تقويم التجربة التطبيقية للبلديات والتي لا يزال عملها بطيئاً على العموم وفيه الكثير  من الشوائب وغياب القدرة على المشاركة الفعالة في إطلاق العملية التنموية ، وهو أمر يعيده أغلب رؤساء البلديات الى تلك الرقابة الروتينية الغليظة لإدارة مركزية متخلفة ومهترئة وبيروقراطية ، وهي تهمة الرد عليها ياتي منها ، ذلك أن البلديات كأجهزة وإدارات ينطبق عليها هذا التوصيف الذي يتخذه الموظفون في أجهزة الرقابة مبرراً لما يجري من إعاقات وعرقلات  .

   في الخلاصة ليس المطلوب أن تصبح البلدية إدارة مستقلة عن الدولة ، ولا المطلوب تذويب ” الإدارة ذات الشخصية المعنوية ” للبلدية ، كي تصبح ملحقة بالأجهزة المركزية ، وبالتالي تجويف إستقلالياتها المالية والقانونية ، والنابعة بالدرجة الأولى من كونها إدارة محلية منتخبة وإطاراً للمشاركة من قبل المجتمع المحلي في إدارة شؤونه ومصالحه المباشرة . ولا حل بتقديري لهذه المشكلة الا بإطلاق مشروع اللامركزية الإدارية الموسعة الذي نصّت عليه وثيقة الوفاق الوطني والتي صدقها مجلس النواب في جلسته الشهيرة في القليعات بتاريخ 15/11/1989 .

   اما الجمعيات في لبنان فلا يزال المرجع القانوني لها قانون الجمعيات العثماني الصادر عام 1909 . وهذا القانون لم يفرق بين الجمعيات الإجتماعية كالأندية والروابط غير السياسية وبين الأحزاب السياسية ، رغم الفوارق البنيوية في تركيبة وأهداف كل منهما . ومع ذلك يبقى هذا القانون المرجعية المعمول بها حتى الآن لتحديد الجمعية الإجتماعية وتنظيم العمل الأهلي .
   وقد أشارت المادة الأولى منه بوضوح الى ان الجمعية هي مجموعة من الأشخاص تألفت لتوحيد معلوماتهم او مساعيهم بصورة دائمة ولغرض لا يقصد به إقتسام الربح . وهذا التعريف يحدد ثلاثة أمور :

1- إن الجمعية هي تجمع منظم لايهدف الى الربح الخاص .
2- الجمعية لها صيغة الديمومة وليست تجمعاً عابراً لا نظام له .
3- الجمعية لها شخصية معنوية مستقلة عن شخصية أعضائها . وعن هذه الشخصية ينشأ بالتالي حقوق وواجبات .

     اما لجهة غايات الجمعية فإن القانون لم يحددها إيجاباً ، وهذا يعني ان غايات الجمعية يمكن أن تطال جميع الميادين الحياتية ما عدا الأهداف الممنوعة والتي هي مخالفة للقواميم والآداب العامة أو تلك التي تخل بالأمن .

   القانون إذاً لا يتضمن تصنيفاً للجمعيات ، وهذا مصدر الإلتباس القائم والمفضي الى غياب التخصص في عمل الجمعيات . في كل الأحوال هناك تصنيفات سائدة عملياً ، تعتمد نوع الخدمات أساساً لها ( تربوية ، صحية ، رياضية ، ثقافية .. ) او تعتمد الإنتماء الإقليمي او الطائفي او العائلي او الجنسي.

ثانياً : في المصطلحات والمفاهيم والدلالات السوسيولوجية :

   التعريف القانوني للعمل الأهلي لا يشتمل على البعد السوسيولوجي ، ولعل المقاربة المعروفة والمتداولة تميل الى تعريف العمل الأهلي بإستخدام المعيار الوظيفي  Functional criteria  بإعتباره جهات او هيئات تؤدي خدمات إجتماعية او تهتم بالرعاية الإجتماعية ، وفي هذا السياق جاء التعريف المبسط للبنك الدولي بإستخدام مصطلح ” التنظيمات غير الحكومية ” لوصف العمل الأهلي بإعتبارها ” مؤسسات وجماعات متنوعة الإهتمامات ، إما مستقلة كلياً أو جزئياً عن الحكومات ، وتتسم بالعمل الإنساني والتعاوني وليس لديها أهداف تجارية ” (1)
1- the World Bank ” Involving NGOS in bank supported activities operational directive/1989,p.1-6
   سنستخدم في الدراسة مصطلح ” العمل الأهلي ” ، إلا أنه لا بد من الإشارة الى ان هناك تسميات عديدة لهذا القطاع ، منها ” المنظمات غير الحكومية ” وهي تبدو غير مقبولة لدى بعض المثقفين ، حيث توحي بأن الحكومات هي مركز المجتمع ، والجمعيات الأهلية ليست اكثر من ملحقات ، وعليه يفضل بعضهم مصطلح   “القطاع الثالث ” . وعربياً فإن تسمية ” المنظمات الأهلية” لا تحظى بالقبول أيضاً ، وخاصة بين علماء الإجتماع ، فهي تمثل صورة لنمط إنتاج قديم ، ياخذ بثنائية العائلة او القبيلة / الدولة ، ويتجاهل وجود تنظيم إجتماعي إسمه المجتمع المدني . 

   وإذا كان تعريف البنك الدولي قاصرا ، فالأمم المتحدة تجنبت الإلتزام بتعريف صارم لعمل التنظيمات غير الحكومية سواء في الشمال او الجنوب او على المستويات الدولية والإقليمية ، وإقترحت بدلاً منه قواسم مشتركة يمكن ان تحدد عمل ” القطاع الثالث  ” ومكانته ، وهي :
   التكافل (solidarity)  والعدل الإجتماعي (social justice ) ومن خلال هذا المنظور يتصف هذا القطاع بأنه :

– منظمات متمحورة حول خدمة الجماعات community based .
– لها رؤية إنمائية محددة .
– مهتمة بتحسين أوضاع الفئات التي تتجاوزها او تضرها التوجهات الإنمائية.
– يتحدد عملها في حقول المشروعات الإنمائية ، الطوارئ ، إعادة التأهيل ، وكذلك ثقافة التنمية والدفاع عن الحقوق الإقتصادية والإجتماعية
  
   اما من الناحية العملية فإن الهدف يتحدد أساساً في مساعدة المواطنين كي يكونوا أقل إعتماداً على الدولة ، واكثر وعياً وتمكيناً more empowered  مما يوصلهم الى حالة الإعتماد على الذات  ونحن في هذه الدراسة نتبنى هذا المنظور .
   أما في الأبعاد السوسيولوجية فنجد مقاربة اكثر شمولية ، فهي تعتبر ” القطاع الثالث ” أو العمل الأهلي نمط من أنماط المشاركة في الحياة الإجتماعية والخدمية والسياسية والثقافية ، بما يمثله كأحد هياكل الإدماج السياسي والإجتماعي ، حيث يتم من خلاله التدريب الفردي والجماعي على الإستفادة من الخبرات والمعارف ووضعها موضع التطبيق تحقيقاً للنفع العام .

   وتذهب العلوم السياسية الإجتماعية الى تعريف الحياة الجمعياتية بأنها سلطة مضادة تضمن لقوى المجتمع السياسية والإجتماعية قنوات المشاركة والإندماج والتعبير المستقل عن السلطة . إنها تمثل بالفعل قوة ثالثة تتولى مهمة التوسط بين مجالين مستقلين ، وربما متناقضين ، السلطة من جهة ، وما يمكن ان نسميه   “المجتمع الأهلي ” في سيرورته نحو التكوّن كمجتمع مدني من جهة أخرى . والجمعيات في هذا الإطار ، إذ هي شكل من أشكال التنظيم الإجتماعي ، هي لبّ المجتمع وعموده الفقري , يتدرّب الأفراد من خلالها على المشاركة والتعبير عن ذواتهم ومصالحهم .

   وهذا ما أكد عليه ماكس فيبر (1920-1864 )عالم الإجتماع الألماني الشهير والمتخصص في التنظيمات ، حين أكد على الجانب الطوعي والتطوعي وعلى القبول الحر بالنشاط الجمعياتي كتعبير عن فعاليات المجتمع المدني أو الأهلي .

   والعمل البلدي في جوهره أيضاً نمط من أنماط المشاركة الأهلية والأدماج الإجتماعي الذي يستهدف تنظيم الخدمات والمرافق الخدمية والتنموية ، لكن إشكاليته أنه جزء من السلطة ، لكنه جزء غير مباشر ، انه يقع في منطقة وسطى ورمادية بين العمل الأهلي ومؤسسات السلطة الرسمية . وكلاهما ، أي العمل البلدي والجمعياتي ينهض بثلاث وظائف :

1- وظيفة الإدماج والمشاركة وهي تحقق التوازن الإجتماعي وإدماج الأفراد في الحياة العامة عن طريق التدريب على العمل التطوعي .
2- وظيفة التسيير وتحمل المسؤولية التي إكتسب من خلالها الأفراد الخبرة والتجربة على مهمة التسيير المالي والإداري وحتى السياسي في بعده الإجتماعي .
3- الوظيفة التعبيرية والتي يكتسبها الأفراد من خلال إنخراطهم في الدفاع والتعبير عن قضاياهم بالعمل الجماعي بما يؤمن تكامل الطاقات وتكيفها مع الحياة العامة .

ثالثاً : في تقاليد العمل الأهلي ومرجعياته :

   ولعله من المفيد الإشارة الى أن تقاليد العمل الأهلي ليست طارئة على حياة المجتمعات المحلية العربية ، التي ساد في أريافها وحواضرها نسيج من التجمعات والإطارات الخدمية والإجتماعية ذات الطابع الأهلي ، فكانت المدارس والكتاتيب والزوايا والمساجد وتجمعات العمل الخيري ذات الخلفية الدينية ، بل وحتى مؤسسة الأوقاف بحد ذاتها هي ذات طبيعة أهلية ، وهي مؤسسة راسخة الجذور وعميقة التأثير في المجتمعات العربية والإسلامية . لقد حققت هذه الإطارات والتجمعات قدراً من الإستقلالية التنظيمية النسبية عن السلطة المركزية طيلة المرحلتين الأموية والعباسية وصولاً الى المرحلة العثمانية .

   وإستمر تأثيرها في المرحلة الإستعمارية ولا يزال في ظل الدولة الوطنية , وهي كانت تقوى حضوراً وتأثيراً حين تغيب سلطة الدولة المركزية او تضعف ، وخاصة في الحواضر والمدن الكبرى ، وهي شملت حتى الحرف التقليدية التي كان لها تنظيماتها وتقاليدها الأهلية شبه المعممة في المدن . في كل الأحوال من الثابت ان تقليد العمل الأهلي لم يكن في المجتمعات المحلية العربية مناهضاً للدولة المركزية ، ذلك انه نشأ بالتفاعل مع المعتقد الديني ، وكان له دور تكاملي على المستوى الإجتماعي والسياسي ، فالعقيدة الدينية كانت هي الموّجه والمرجع العملي لكل من تقاليد العمل الأهلي والسياسي . ولم يخل الأمر من توتر في بعض المراحل سعت فيها السلطة لإستتباع هذه الإطارات والتجمعات .
   ومهما تكن العلاقة بالدولة ، فقد شكلت هذه الأطر نموذجاً لمجتمع مصغر ، ينهض بأعباء عجزت الدولة السلطانية عن النهوض بها او لم تتفرغ لإنجازها ، ولعل ذلك ما أدى الى ضرب من التعايش بين نوعين من المجتمعات : واحد تقوده الدولة وتتحكم فيه ، وآخر يتحرك في فضاء إكتسب نوعاً من الإستقلالية النسبية في إطار العقيدة او الإيديولوجيا الدينية الناظمة لحركة المجتمع ، يؤمن من خلالها خدمات العلاج والتعليم والغذاء ويعزز أواصر التضامن الإجتماعي ، بعيداً عن مفهوم ” الأجرة ” الذي كان دخيلاً على الحضارة العربية الإسلامية ، حيث لم يكن التصدي للتدريس او معالجة المرضى في الماريستانات يخضع لنظام ” الأجرة ” مثلما هو الآن. لذلك نهضت تلك الإطارات بدور الوسيط بين المجتمعات الأهلية والسلطة المركزية , معتمدة بذلك على تمويل مؤسسات الأوقاف الغنية ، وتلك كانت مظاهر بارزة في كل من القاهرة وإستامبول ودمشق وبدرجة اقل في كل المدن والحواضر الأسلامية .

   لقد ساعدت هذه الأطر والتجمعات الأهلية على تعزيز فرص المشاركة والحوار والشورى في زمن لم تكن الهياكل التمثيلية قد شقت طريقها بعد ، والأمثلة على ذلك كثيرة . لذلك تخطت هذه الأطر والتجمعات في مراحل معينة الدور الخيري والديني لتؤسس أرضية لعملية إدماج سياسي وإجتماعي ، ولترسي بذور منابر التكوين السياسي والإيديولوجي ، ولتلعب دوراً مؤثراً في تعبئة الرأي العام في مواجهة قضايا عامة شكلت تحديات كبيرة أمام المجتمع ، كالإحتلال الأجنبي .

   فشاركت هذه الإطارات التي تحولت الى جمعيات ، في بناء الوعي الوطني والقومي، وتأكيد هوية الإنتماء العربي إبان المرحلة الإستعمارية ، وبالتالي شهدت الحياة الأهلية تحولاً بارزاً لبعض الجمعيات من الفضاء الديني والخيري الى المجال السياسي والوطني ، وإنخرط بعضها في النضال السياسي وإن حافظت في أدائها على طابعها وجذورها الدينية .

   وشهدت مرحلة مابعد الإستعمار إعادة ترتيب للمجتمع الأهلي بما يتلاءم مع المتطلبات الإيديولوجية للدولة الوطنية ، فالديناميات السياسية في هذه المرحلة كانت تتطلب تأسيس شرعية جديدة هي شرعية دولة الإستقلال ، لذلك عملت النخب الوطنية على تدعيم حضور الدولة ونشر سلطانها ، وإكسابها أدوات العمل القانونية والردعية ، وعليه تمت دولنة المجتمع ، أي إحتكار أنماط تعبير المجتمع عن ذاته وطريقة ضبطه لإحتياجاته . ولعل هذا ما شجع النخب الجديدة على مراجعة أشكال تعبير المجتمع ، ووسائط التنظيم والوساطة السياسية من خلال المنظمات الشعبية والجمعيات والروابط المهنية والنقابية .

   لقد تلازمت دولنة المجتمع في مرحلة ما بعد الإستعمار وبناء المؤسسات الرسمية للدولة الوطنية ، مع محاولات إستتباع مؤسسات المجتمع الإهلي المستقلة ودمجها في المؤسسة الإيديولوجية للدولة وخاصة في الأنظمة الأحادية السياسية ، وإذا ما إستثنينا بعض النماذج العربية كالنموذج اللبناني مثلاً نجد سياقاً من نوع آخر ، فدولة الإستقلال تميزت بعلاقات مشوبة بالحذر والخوف و حتى الشك من قبل المنظمات الأهلية وكافة قطاعات المجتمع المحلي وتحديداً الإسلامي بنموذجه الطرابلسي ، وهو حذر وخوف يعود في أصوله الى بدايات القرن عندما تفككت أواصل الدولة العثمانية إثر الحرب العالمية الأولى ، وإنهار بعدها الحلم بالدولة العربية مع الهيمنة المباشرة للإستعمار الفرنسي .

   ومما زاد في هذه العلاقة الملتبسة بين طرابلس والدولة ، إعلان لبنان الكبير بداية العشرينات ، فمشروع الدولة المعلنة في ظل الرعاية الفرنسية سعى لإخضاع المدينة العروبية المتمردة لتتخلى عن مناصرتها للسياسة الفيصيلية آنذاك ومناهضتها للدولة ” اللبنانية ” الوليدة . هذه العلاقة إتسمت دوماً بالسلبية ، ورافقها الشك والهواجس والصراعات المتتالية، مع الأجهزة الأمنية الرسمية ، منذ رفض طرابلس لإعلان الدستور عام 1926 الى مناصرتها للثورة العربية مروراً بإضراب ال 36 يوماً عام 1936 وثورة 1958 ضد حكم الرئيس كميل شمعون ، وبينها مواجهات صغيرة وفرعية عديدة رسخت تقاليد المعارضة الشعبية للدولة ، تحولت معها الازمة الضيقة والدروب الداخلية والأسواق ، الى هوامش مستقلة وبؤر شبه مغلقة على الدولة تصلّب فيها مفهوم الممانعة الذي نشأت في سياقه المنظمات والجمعيات وحتى الأحزاب ، بل سايرته وسارت في ركابه الزعامة المحلية التقليدية ، والتي شاركت على الدوام في تركيبة السلطة ، لكن من موقعها الملتبس في إنتماءها الى تاريخ مناهض للدولة ، وواقع يجذبها الى المشاركة في فوائد الإلتحاق بركبها .

   في هذا السياق لازم طرابلس المتمردة شعور بالغبن ، رغم ان بعض ابنائها تبوأ مراكز عليا ، ومناصب رسمية ، شاركت بفعالية في الحكم ،إلا أن هذا الشعور لم يتبدد وأخذ طريقه الى الترسخ في الذهنية المحلية ، وهو كان يتغذى ويتعزز من خلال الإهمال المتراكم والحرمان شبه المتعمد للمدينة في كافة العهود والحكومات المتعاقبة . خوف متبادل وترصد متواز بين الدولة والمدينة ، أنتج علاقة ملتبسة تمت ترجمتها بالإهمال والحرمان الفاضح لكل أوجه الحياة فيها . في سياقه نشأت الجمعيات والمنظمات الأهلية ، ودخلت في هذا التجاذب ، فبقيت على هامش السلطة ولم تنجح في الإستفادة من إمكانياتها الرسمية لتفعيل خدماتها وعطاءاتها .

   وفي نفس السياق نشات المؤسسة البلدية التي كانت ولا تزال محط صراع لتقاسم النفوذ والهيمنة بين قوى المدينة وفعالياتها وبين محاولات الدولة للهيمنة عليها والحد من إستقلالياتها وعرقلة إنجازاتها وأعمالها حين تكون القوى التقليدية المهيمنة عليها في موقع المعارضة لمن يتولى الحكم والحكومة . هكذا عاشت المدينة تجاذباً مزّق منظومة عملها وبنيتها الأهلية ، وعطل إمكانيات تطورها وإندماجها الإجتماعي وتواصلها مع المحيط ومع مؤسسة الدولة من جهة أخرى .

 

   رابعاً : طرابلس وإشكالية العمل الأهلي والبلدي :

   ولإستكشاف محددات التكامل وعناصر التباعد بين مختلف أطر العمل الجماعي المحلي شملت الدراسة الميدانية عينة من النشطاء ورؤساء الجمعيات وأعضاء المجالس البلدية في طرابلس والميناء بلغ عددها سبعين جمعية وفعالية . تم جمع المعطيات منهم بواسطة مقابلات إستخدمت فيها إستمارة غالبية أسئلتها مغلقة ، عمدنا من خلالها الى تفكيك العمل الأهلي لجهة أسلوب العمل وآلياته ومعوقاته وهيكلياته . وأبرز ما توصلت اليه الدراسة هو التالي :

أ- على صعيد وعي أهمية العمل المشترك : تبين أن نسبة الرضى عن الإنجازات منخفضة عند الفئتين . فقد صرح ( 24 % ) من الجمعيات أنهم راضون عما أنجزوه حتى الآن ، في حين لم يتجاوز الرضى ( 8 % ) عند عينة أعضاء المجلس البلدي . اما الوعي بأهمية التعاون فكان مرتفعاً تمثل بـ (88 % ) عند الجمعيات و (96 % ) عند البلديات . اما عن المحاولات الجدية المبذولة للتعاون فكانت ( 63 % ) عند الجمعيات و ( 81 % ) عند البلديات في المقابل إعتبر (44 % ) من الجمعيات أن تجربة العمل المشترك ناجحة مقابل ( 65 % ) من العينة البلدية. 
    اما الذهنية المهيمنة في نظرة كل منهما للآخر فتتأسس على مجموعة من الإنطباعات السلبية المتبادلة . فقد إعتبر ( 26 % ) من الجمعيات أن العمل البلدي غير فعال و (15 % ) إعتبره سيئاً و(15 % ) إعتبره خاضعاً لرغبة الرئيس ومصالحه و (3 % ) فقط إعتبره متعاوناً ، مقابل (7 % ) إعتبره فاقداً للثقة الأهلية . أما عينة البلدية فاعتبر (15 % ) منها أن الجمعيات غير فاعلة و (23 % ) إعتبرها مسيسة و (6 % ) إعتبرها غير متعاونة و    (17%) إعتبرها نفعية ومصلحية و(9 % ) إعتبرها خاضعة لرغبات مؤسسيها.

   في تحليل الإستجابات لاحظنا أن التحفظ والإمتناع عن الإجابة حاز نسبة عالية ( 49 % ) في العينة البلدية و (55 % ) عند الجمعيات مما يؤشر لغلبة الإعتبارات والحسابات فيما يتعلق بكل منهما .

   وعند السؤال عن أسباب عدم التعاون إكتفى ( 7 % ) من عينة الجمعيات بالقول لغياب الجدية و(8 % ) لغياب القناعة بجدوى التعاون و ( 4 % ) لغياب الإمكانات عند الطرفين . وعما إذا كان هناك خطط مستقبلية للتعاون صرح (56 % ) من الجمعيات بالإيجاب مقابل    (58 % ) من العينة البلدية . ويمكن تفسير ذلك بالمبادرة التي قام بها إتحاد بلديات الفيحاء خلال هذا العام ، فقد دعا حوالي 160 جمعية ، إستجاب منها نحو 65 جمعية لتوقيع إتفاق تعاون مع الإتحاد ، وهو إتفاق ينص على :

– السعي لتحقيق تبادل وتبادل طرق إدارة وتنظيم العمل التطوعي والبلدي بوسائل أكثر كفاءة وشفافية وفاعلية .
– خلق شبكة علاقات محلية ودولية تخدم مصلحة كافة المؤسسات المتعاونة عبر التنسيق والتعاون .
– إعتماد الشورى والتبادلية في وضع روزنامة خطة تنموية لمدن إتحاد الفيحاء . ويتضمن إتفاق التعاون ستة بنود تتحدث عن كيفية إعتماد المشاريع والتعهد بتقديم الدعم المادي والمعنوي لها بما يحقق الأهداف المشتركة .

أما عن ماهية المشاريع والأهداف المشتركة المزمع تنفيذها مستقبلاً فكانت الإستجابات متنوعة، مما يدل على غياب الرؤية المشتركة والتخطيط والبرمجة لهذه المشاريع . و جاءت على الشكل التالي : ( حملات الصحة المدرسية ، تقديم المساعدات المادية للمحتاجين ، الإنشطة الثقافية والتوعية الإجتماعية ) وهذه العناوين  هي التي تكررت أكثر من غيرها ، وعدا ذلك جاءت الإستجابات مشتتة مثل ( مشاريع للمعاقين ، تنظيم السير ، حدائق ، مخيمات صيفية ، دورات تدريب وتقوية ، تأهيل المشردين ، الكتاب المدرسي ، دعم الرياضة ، تأهيل الآثار … )

   وإنعكس الإنقسام السياسي في المدينة على تقييم الجمعيات لأداء البلدية لجهة دعمها أنشطة الجمعيات فأعتبر ( 44 % ) البلدية مقصرة مقابل ( 42 % ) إعتبرها غير مقصرة وإمتنع الباقي عن الإجابة . وحين السؤال عن أبرز الأنشطة التي تقاعست البلدية عن دعمها رفضت غالبية الجمعيات الإستجابة ، والأقلية قدمت أجوبة شديدة العمومية .

ب- اما ابرز معوقات المجلس البلدي فتمثلت حسب العينة البلدية بعدد من الأسباب( 56 % ) منها أعادها لتسييس المشاريع والخدمات مع غلبة واضحة لهذا الأمر في بلدية طرابلس بلغت (71 % ) . في حين اعتبر( 45 %  ) من العينة غياب التعاون مع هيئات المجتمع المحلي معوقاً مهماً ، مقابل (93 % ) أعاد ذلك لقلة الإمكانيات و ( 84 % ) لضعف كفاءة الجهاز الإداري و (80 % ) لعدم تعاون المواطن و (30 % ) لغياب المصداقية والشفافية في المجلس البلدي و (20 % ) للصراعات والتكتلات في المجالس البلدية و (38 %) لغياب المبادرة والشلل في الإجتماعات .

   من الواضح إن قلة الإمكانيات وضعف كفاءة الجهاز الإداري وعدم تعاون المواطن ، معوقات تحتل المرتبة الأولى، وتتميز بلدية طرابلس بتسييس المشاريع والخدمات، في المقابل تتفوق بلدية الميناء بمسألة الشلل وغياب المبادرة والتعاون مع المجتمع المحلي .

 وعند السؤال عن مسالة قلة الإمكانيات أجابت غالبية العينة أنها تعرضت للدرس في إجتماعات المجلس البلدي . اما عن نتائج الدراسة فجاءت الإستجابات مفتوحة على الشكل التالي :
– لا شيء سوى التشدد بتحصيل الرسوم البلدية .
– تفعيل الإدارة بغية إدراج أسماء المكلفين الجدد .
– وقف الهدر وتوجيه وترشيد الصرف .
– متابعة الحكومة لتحصيل الأموال المستحقة .
– تطبيق مشروع اللامركزية الإدارية .
– توعية المواطن وتعزيز الثقة مع المجتمع .

ورغم أهمية بعض هذه الإجابات ، إلا انه يلاحظ عموميتها وإكتفاؤها بالحلول التقليدية في مثل هذه الحالات ، وغياب الخطط البلدية كالسعي لإشتراك المجتمع المدني وهيئاته ونقاباته وممثليه للإستفادة من مختلف مصادر التمويل المحلي والعربي والدولي . علماً أن بعضها قد تم الإتفاق معه لتمويل مشاريع محددة ، والمطلوب تفعيل هذا الإتجاه والبحث عن مصادر تمويلية أخرى وتفعيل التنفيذ وفق خطط وبرامج واضحة ومحددة .

   ويوضح رئيس إتحاد بلديات الفيحاء أن احد المعوقات البنيوية الكبرى تتمثل في نسبة الشواغر الضخمة في الدوائر المختلفة وخاصة في الوظائف الإدارية القيادية والتي تصل الى  ( 64 % ) ، وهي التي تعطل إمكانية تطوير وتحديث البنى الإدارية والفنية للبلدية ، وفي الميناء هناك (14) موظفاً يعملون من أصل (64) وهو ما ينعكس تخلفاً وتباطؤاً وتردياً في نوعية الخدمات البلدية . والشكوى أيضاً تشمل التأخر في دفع مستحقات البلديات من أموال الصندوق البلدي المستقل وعلاوة ال (10%) من فواتير الهاتف والماء والكهرباء ، رغم نص المرسوم 1917 والقانون 60/88 الذي يحدد مهلاً واضحة لدفع هذ المستحقات ( اقصاها شهر أيلول من كل سنة ) وكل 3 أشهر بالنسبة لعلاوة ال ( 10 % ) .

ج- أما أبرز المعوقات البنيوية للعمل الأهلي  فتتمثل بعدد من المؤشرات نوجزها على الشكل التالي :

1- الحجم الإقتصادي للجمعيات : مثل قياس هذا الجانب صعوبة بالغة لهذه الدراسة وذلك لعدم توفر البيانات عند الغالبية ، إضافة الى تواضع التقنيات المحاسبية ، وإمتناع البعض . لذلك إكتفت الدراسة بهدف متواضع هو معرفة حجم الموازنة بإعتبارها تمثل الواردات والنفقات الجارية ، غير أن هذا الهدف المتواضع إصطدم أيضاً بمقاومة المبحوثين . ويشير ماحصلنا عليه ان (24 % ) من الجمعيات يعمل بموازنة أقل من (3000 ) دولار أميركي سنوياً و(19 % ) يعمل بموازنة تتراوح بين ( 3000 و 6000  ) دولار أميركي و (29 %) يعمل بموازنة بين (6000و 10000 ) دولار و(7 % ) بما يفوق ال (10 ) آلاف دولار والباقي إمتنع عن الإجابة . ومع الشك بصحة البيانات المقدمة ، فالنتائج تشير الى ضعف القدرة الإقتصادية للجمعيات ، وهو ما يتطلب منها إحداث نقلة نوعية وكمية في الحجم الإقتصادي لها إذا كانت تريد أن تفعّل دورها في المجتمع المحلي .
2- الهيكل المؤسسي والإداري : لوحظ إرتفاع نسبة الذكور عن الإناث على مستوى اللجان المختصة بإتخاذ القرار ، حيث لم تزد نسبة الإناث في المجالس الإدارية عن ( 15%) اما في الأعمال التنفيذية المدفوعة الأجر فترتفع بشكل ملحوظ  لتصل الى (60 % ) مما يعكس النمط العام لعمالة المرأة في مجتمعنا ، والذي  يرتكز في الأعمال التنفيذية والمكتبية والتربوية . اما في عضوية الجمعيات العمومية والعمل التطوعي فهي لم تتجاوز (33% ) . وبينت الدراسة وجود توتر وصراعات بين الموظفين والمتطوعين على الأقل في 35 % من الجمعيات ، على الرغم من أن الملاحظة الميدانية تعطي إنطباعاً بان النسبة أعلى من ذلك بكثير . وهو ما ينعكس سلباً على التناغم والإنسجام بين العاملين ويضعف بالتالي فاعلية و  كفاءة الأداء .
3- الديموقراطية داخل الجمعيات : وقد تبنت الدراسة عدداً من المؤشرات لقياس الممارسة الديموقراطية ، أهمها الطريقة التي يشغل بها المسؤولون مناصبهم ، ومعدل التداول في مراكز إتخاذ القرار ، وعدد إجتماعات مجالس الإدارة والجمعيات العمومية . وقد أشارت غالبية الجمعيات ( 90 % ) الى سيادة أسلوب الإنتخاب بالنسبة لمجلس الإدارة والرئيس ، مع وجود نسبة من الأعضاء المعينين من قبل الجهات الممولة أو المهيمنة على الجمعية . على أن أسلوب الإنتخاب لا يعني بالضرورة وجود أسس ديموقراطية حقيقية. فكثيراً ما يكون الإنتخاب شكلياً، بحيث يؤدي الى التمديد او التجديد لنفس المسؤولين لسنوات طويلة ، مما أدى الى إرتباط بعض الجمعيات بأسماء رؤسائها ، وهوما يمكن ان نسميه بظاهرة ” شخصنة الجمعيات” .  وقد تبين أن (80% ) من الجمعيات قام على رئاستها من واحد الى 3 رؤساء منذ نشاتها . وبربط عدد الرؤساء بعمر الجمعية تبين أن هناك إرتفاعاً ملحوظاً لمتوسط عدد السنوات التي يقضيها الرؤساء وأعضاء مجالس الإدارة ، (15 سنة و 12 سنةعلى التوالي) وأظهر التدقيق الدور الهامشي الذي تلعبه الجمعيات العمومية ، وهي الإدارة المركزية للديموقراطية في الجمعيات ، مما يجعل آلية إتخاذ القرار حكراً على الرئيس وبعض الأعضاء. هذه الملاحظات تظهر أن الممارسة الديموقراطية داخل الجمعيات لا تزال ترفاً يمارس على المستوى الشكلي والفولكلوري  .
4- العلاقات والتفاعلات : رصدت الدراسة علاقة الجمعيات بالدولة وبالجهات الأجنبية والعربية الممولة وبالفئات المستهدفة . وتبين ان (80% ) اعتبر القانون الرسمي الذي ينظم عملها جيداً ويوفر الإستقلالية. ولاحظنا ان الجهات الرسمية والجمعيات تتعامل مع القانون بطريقة وظيفية حيث تتمسك الدولة بحرفيته او تتغاضى عنه ” حسب العلاقة مع الجمعية ” او بحسب الجهة الراعية ، والجمعيات تلجأ الى الثغرات الموجودة في القانون او الى العلاقات الشخصية بذوي النفوذ ، وصرح ( 40 % ) من الجمعيات بوجود علاقة مع وزارات رسمية ( صحة ، تربية، شؤون … ) . وبشكل عام لوحظ غياب النظرة النقدية ، فقد كانت الإستجابات أكثر تحفظاً وهي تأثرت بدرجة العلاقة الوظيفية مع الدولة ، مما يؤشر لوجود ثقافة نفعية في هذا المجال .
 اما العلاقة مع الجهات الخارجية فيلاحظ فيها التركيز على المشروعات التي يمكن تقييمها كمياً وتظهر نتائجها بسرعة ، مع تواضع الإهتمام ببناء قدرات الجمعية ، بل أن بعضها يمارس نوعاً من الوصاية . وبلغت نسبة التعامل مع المنظمات الأجنبية ( 35 % ) مع إنخفاض ملحوظ لنسبة التعامل مع الجهات العربية ( 20 % ) مقارنة بالأجنبية . وتبين أن التمويل هو أهم أشكال التعاون ( 30% ) ولوحظ أن بعض الهيئات عمد الى تعيين موظفين من طرفه بنسبة تتراوح بين (20 – 30 % ) الى جانب الإشتراط بشراء التجهيزات من دولها حتى ولو كانت أقل تكلفة بدول أخرى . ومع ذلك إعتبرت الجمعيات العلاقة تتميز       بالندّية والتكافؤ (30% )

   اما العلاقة مع الفئات المستهدفة فقد لوحظ أنها تتسم بالوصاية من قبل الجمعيات ، بل وبنظرة فوقية لا تثق بقدرات الفئات المستهدفة على تحديد إحتياجاتها لإنخفاض وعيها ، مما يعني إحتكار الجمعية للوعي والمعرفة وبالتالي لصنع القرار ، وتكريس دور الفئات المستهدفة كمتلقية للمساعدة فقط . ويرجع شكل هذه العلاقة الى الخلفية  التراثية للعمل الإهلي والذي إرتبط بفعل الخير والإحسان . كما يرتبط ذلك بغلبة الوظيفة الخدمية والرعائية على الوظيفة التنموية والتعبوية والتدريبية .       
    5 – إشكالية التمويل و هي من أبرز الصعوبات فقد إمتنع ( 60% ) من العينة عن الإستجابة ، و يرجع ذلك إلى عدم التبلور الإداري و المؤسسي و إلى قصور القدرات المحاسبية و الفنية ، و بسبب الإتجاه إلى إخفاء المعلومات من قبل الجمعيات و الجهات المانحة. و تنقسم  بشكل عام مصادر التمويل إلى ذاتية و رسمية و خارجية.

   المصادر الذاتية تتمثل في إشتراكات الأعضاء و عائد الأنشطة و منتجات الجمعية و التبرعات و الهبات غير المشروطة المحلية ، و لوحظ أن حجمها لا يعتد به رغم أن (80% ) من العينة صرح بأنه من أهم المصادر ، فضلاً عن إرتباط هذا المصدر بالوازع الديني الخيري حيث تذهب معظم التبرعات إلى جمعيات المساعدات و الرعاية الصحية و الإجتماعية و ليس إلى الجهود التنموية.

   أما مصادر التمويل الرسمية فهي أيضاً متدنية و بلغت ( 15% ) من العينة على الرغم من إقرار ( 40% ) من العينة بوجود علاقة مع وزارات رسمية . أما القطاع الخاص فمساهمته غير متبلورة و تقتصر على بعض رجال الأعمال كأفراد و كفاعلي خير بنسبة ( 30% ) من حجم المصادر الواردة كتبرعات .

   أما في إطار التمويل الخارجي فأظهرت الدراسة إنخفاض عدد الجمعيات المستفيدة من التمويل العربي ( 15% ) مقارنة بالتمويل الأجنبي (20% ) ، مع ملاحظة أن الحصول على التمويل الأجنبي العربي ما زال مطلباً لحوالي (60%) من العينة ، علماً أن غالبية الجمعيات تعلم بوجود مصادر تمويل خارجية لكنها لا تعرف كيفية الإستفادة و الإتصال بهذه الجهات ، و عبرت عن حاجتها لوسيط أو مراجع ترشدها إلى ذلك .

   و تطرح مسألة التمويل مسألة أخرى هي المحاسبية ( accountability ) ، و من له حق بالمحاسبة . هل هذا الحق للدولة ؟ أم للمانحين ؟ أم لأعضاء الجمعية العمومية ؟ أم للمجتمع ممثلاً بالفئات المستفيدة ؟ والإجابة على هذا السؤال تحسم توجهات و مستقبل العمل الأهلي و تأثيره في التغيير الإجتماعي .

6- الأداء ، والإحتياجات ، من أبرز المميزات المفترضة في العمل الأهلي أنه أكثر حركية و تعبيراً عن ثقافة المجتمع من العمل الإداري الرسمي . لذلك حاولنا إستكشاف النقص في آليات عمل الجمعيات و الخبرات التي تحتاجها بما يؤدي إلى تحسين الأداء بشكل عام . وقد بينت الدراسة أن التصريح بالحاجة إلى الخبرات مثل نسبة مرتفعة ( 65% ) و هذا ما يفسر بداية وعي بأهميتها . إلا أن الرؤية لهذه الخبرات لا تزال بسيطة . و ميدانياً لوحظ القصور الكبير في المهارات الإدارية ، فإعداد التقارير المنتظمة للمتابعة و التقويم وفق خطة معدة سلفاً بلغ   ( 35% ) . في المقابل اعتبر (55%) من الجمعيات أنهم نجحوا في تحقيق خطتهم للعام الفائت بنسبة ( 75% ) . أما الفشل في الجوانب فتمت إحالته إلى محدودية التمويل و الإمكانات .

   و اظهرت النتائج غياب القدرة عند الغالبية في تحديد حجم الفئات المستهدفة أو المستفيدة . فقد صرح ( 55% ) من العينة أنهم لا يجدون صعوبة في الوصول إلى الفئات المستهدفة و (65% ) بأن حجم الفئات المستفيدة يقل عن 3 آلاف شخص ، و صرح ( 80% ) أنهم يعملون حيث تغيب الدولة ، أما عن الفعالية فيرى ( 85% ) أن جمعيتهم فعالة .

7- إشكالية التطوع : لا شك أن التطوع هو أحد تعبيرات التطور السياسي و الثقافي للمجتمع الذي يشجع على المشاركة و يحترم مبادرات الأفراد . و قد تبين رغم غياب الدقة في الإستجابات أن هذه المشكلة موجودة بحدة عند غالبية الجمعيات ، و لوحظ وجود علاقة بين حدة المشكلة و طبيعة الجمعية فهي تقل فهي تقل عند الجمعيات الدينية الطابع ، حيث يقبل الأفراد على التطوع بإعتباره واجباً دينياً و عملاً يتقربون به إلى الله . كما تنخفض المشكلة عند الجمعيات الشبابية و ترتفع عند الجمعيات النسائية . و يعود سبب نقص المتطوعين حسب غالبية الجمعيات إلى كثرة الأعباء ، و تفضيل العمل بأجر و إنخفاض قيمة العمل التطوعي ، بالإضافة إلى العادات و التقاليد بالنسبة للإناث . و بينت الدراسة إنخفاض قيمة العمل التطوعي بشكل عام عند الذكور، رغم غلبة تمثيلهم في المجالس الإدارية . و قد أكد ( 65%) من العينة أن نقص المتطوعين يؤثر سلباً على تحقيق أهداف الجمعية . و تنوعت المقترحات لتشجيع العمل التطوعي بدءاً بالتوعية بأهميته ، و تكريم المتطوعين معنوياً ، إلى منح حوافز مالية رمزية ، وصولاً إلى غرس قيم التطوع في الناشئة .

   نخلص في الملاحظات الختامية إلى أن هناك فورة أكثر منها صحوة ، في مجال العمل الأهلي ، و أنه رغم هذه الفورة فالعمل الأهلي لا يزال يتحرك ضمن آليات و شروط و علاقات و تفاعلات مجتمعية تقليدية تؤثر على فعاليته و تعوق من قدرته على الإنطلاق . و إن هذا القطاع ينشط فقط في إطار دوره الرعائي و الخدمي و الخيري ، و هو دور لا بد من تخطيه لتأسيس دور تنموي يشارك و يسهم في عملية التغيير الإجتماعي ، و بالتالي في تغيير التوازنات و شبكة العلاقات و التفاعلات التقليدية و الأهلية . و يمكن تصنيف أبرز المعوقات وفق العناوين التالية :

1- معوقات بنيوية : و هي تواجه غالبية الجمعيات و التي إنحصرت عضويتها على عدد أو ” فئة ” محدودة ، بالتالي بات الإنتساب إليها غير مرغوب أو غير متيسر . و في كلتا الحالتين نتج عن ذلك أن أصيبت هذه الجمعيات ” بفقر الدم ” الذي حرمها من طاقات جديدة و مجددة .
2- معوقات قيادية  تتمثل في مشكلة الشخصنة و الإفتقار إلى الثقافة الديموقراطية التي تكفل تجديد النخب و الهياكل التنظيمية ، و بالتالي تحقيق مبدأ تداول المسؤولية و تفعيل مبدأ المحاسبة و المراقبة و المساءلة   من قبل الأعضاء ، بحيث أصبحت بعض هذه الجمعيات إرثاً و ملكاً خاصاً لبعض الأفراد و عائلاتهم .
3- معوقات مادية و لوجيستية : حيث تفتقر الغالبية إلى البنى الأساسية و المستلزمات الضرورية لمباشرة العمل ، إذ لم تكن موالية لجهة رسمية أو جهة ممولة ، حيث تفتقر إلى المقرات و الأدوات اللازمة لتطوير أداء العمل المنوط بها.
4- معوقات عملانية و غياب البرامج : و هي من أولويات العمل الجماعي و ضرورياته ، فمن خلالها يبتعد عن المزاجية و الفردية ، و ينضبط في إستراتيجية عمل مستقبلي ، تنتظم في إطارها جهود و طاقات ، و تتراكم حولها خبرات و تتكامل عطاءات و مشاريع ، بدلاً من أن تتضارب و تهدر في جهود لا طائل منها.
5- معوقات تأهيلية : تتمثل في غياب الكادر البشري المدرب و المؤهل وفق مجالات التخصص . و يبرز بوضوح غياب الأطر الآيلة إلى تبادل الخبرات و التجارب . فالعلاقات على مستوى الجمعيات و الدولة ، و بين بعضها البعض ، تسودها الريبة و عدم الثقة ، فضلاً عن عدم القناعة بجدوى التدريب ووجود مكان للتوتر و اللاثقة .
6- معوقات تمويلية : وهي كما نفترض الإشكالية المشتركة التي تعاني منها كل أطر العمل الأهلي و البلدي ، و أبرز أسبابه تعود لغياب الثقة المتبادلة أو سعي الجهات الممولة للهيمنة ، سواء كانت هذه الجهات رسمية أو خارجية . و لعل تحليل المعوقات يساهم في تحديد بعض العناوين التي ترسم شروطاًَ لنجاح العمل الأهلي و البلدي و هي :

– الفاعلية و القدرة على التأثير في أنماط حياة الفئات المستهدفة .
– وضوح البرامج و الإستراتيجيات .
– إحترام التخصص و الكفاءة و الأهلية في العنصر البشري .
– الشفافية و فتح باب المساءلة و المحاسبة
– المحاسبة الديموقراطية بما يفتح باب المشاركة الحقيقية في الهياكل التنظيمية لأطر العمل الأهلي .
– المصداقية و تتمثل في ردم الفجوة بين القول و الفعل
– الأداء الجيد و المنظم و القدرة على الإقناع و كسب المتطوعين .
– الشمولية من حيث الإحاطة المبرمجة و العلمية بالأهداف .

خامساً : نحو رؤية إستراتيجية لتفعيل العمل الأهلي و البلدي والنهوض بالمدينة :

لا بد للعمل الأهلي والبلدي من أن يتم تفعيله ، فالواقع الراهن محزن ، وعملية التفعيل لن تكون مثمرة ما لم تكن متجهة نحو أهداف وأولويات تستهدف النهوض بالمدينة . إن الطاقات المبعثرة ستكون جهداً ضائعاً ما لم تتوجه نحو أهداف محددة ووفق أولويات نابعة من ” رؤية ” إستراتيجية ترسم دوراً يمكن لطرابلس ان تتبوأه وموقعاً يمكن ان تشغله وتنافس فيه بجدارة . هذا الدور وهذا الموقع يجب أن يمثل المجال الحركي لغالبية أطر العمل الأهلي ، وهو لا يمكن ان يقوم الا بتنسيق تام مع العمل التنموي البلدي .

   اما لماذا رؤية إستراتيجية ؟ وما علاقتها بتفعيل العمل الأهلي والبلدي ؟ والجواب يمكن صياغته بسؤال ايضاً : وهل يمكن تفعيل العمل البلدي والأهلي دون ان يكون له أهداف واضحة ودون ان يستهدف تحقيق منجزات مادية ملموسة؟ وفي الحقيقة لا قيمة لأية منجزات ما لم تكن نابعة من ” رؤية ” إستراتيجية تستهدف النهوض بالمدينة نحو دور ووظيفة متميزة على مستوى الوطن أولاً والمحيط الجغرافي ثانياً ، على ضوء ذلك يمكن تصور برامج و أولويات ترسم الأهداف العامة لعملية النهوض بالمدينة ، بحيث تشارك بتنفيذها في إيقاع متناسق ، كل أطر العمل الأهلي والبلدي ، وهو أمر لا يزال مبهماً ومفقوداً اليوم .

   بناء على ذلك نتساءل هل طرابلس اليوم هي مدينة صناعية يمكنها أن تنافس ؟ ام هي مدينة تجارية ؟ أم زراعية ؟ أم هي مدينة خدمات وتسلية وترفيه تشكل بؤرة إستقطاب لمجالها الطبيعي ؟ بالطبع لا ينطبق أي من هذه التوصيفات عليها بغض النظر عن طموحات البعض وتمنياتهم . وما لم تحدد وظيفة المدينة ودورها وموقعها ، سوف يبقى العمل الأهلي والبلدي يسير بلا هدى ولا ” رؤية ” ، وسوف تهدر الطاقات وتضيع الجهود .

   طرابلس بإتفاق الغالبية تملك ما لا تملكه أي مدينة في لبنان ، وهو ذلك الماضي المتجسد بالمدينة القديمة التي تؤلف بكليتها نظاماً إستقطابياً فريداً ، لما تتضمنه من منشآت أثرية متكاملة تشكل متحفاً تاريخياً ضخماً ، لا يعبر فقط عن هوية المدينة القديمة بل يشكل رأسمالاً ضخماً يجب إستثماره ، وهو أمر إذا ماتم يمكنه أن يرسم معالم الدور المستقبلي الذي يجب بلورته ، في هذا المعنى فإن الإستثمار الحقيقي هو إعادة احياء المدينة القديمة وتأهيلها وإنقاذ منشآتها وأسواقها، وخانا تها ومدارسها وجوامعها وحمماتها و كنائسها و زواياها و أسبلتها ، و حرفها ، كما تفعل كل المدن التي لها تاريخ ، بل و حتى المدن التي ليس لها تاريخ عن طريق الإفتعال بل و التزييف أحياناً .

   و ليس معنى ذلك طبعاً إهمال المرافق الحيوية و الخدماتية الضرورية من بنى تحتية وغيرها. بل المقصود وضع سياسة أولويات ، و هو أمر لا يمكن أن يتم بشكل موضوعي و علمي ، دون رؤية إستراتيجية لموقع و دور طرابلس المستقبلي . فإذا كنا نرى هذا الموقع و الدور في الصناعة أو الخدمات أو التجارة، فسوف تكون سياسة الأولويات مختلفة عما هي الحال لو كانت الرؤية الإستراتيجية تقوم على تنمية آثارها و تراثها و مواقعها و أسواقها و منشآتها العريقة ، لتشكل عنصر جذب و إستقطاب سياحي في عصر أصبحت السياحة فيه ، صناعة ثقيلة بكل معنى الكلمة . و كثيرة هي المدن التي نهجت هذا الطريق و إستطاعت أن تستثمر مقومات تميزها بفعالية ، و بالتالي أن تحفظ لنفسها موقعاً و دوراً في خريطة البلاد . و لا جدوى من أي خطة تنموية بلا رؤية إستراتيجية .

   إن هكذا رؤية تحدد بدقة لآي نوع من المدن تنتمي طرابلس ، أو يمكنها أن تنتمي ، و من خلالها يمكن برمجة سياسة الأولويات لتنمية رصيدها ، و توجيه إمكانياتها  الأهلية و الرسمية و البلدية ، نحو إقامة البنى التحتية اللازمة لإعادة تظهير عمران المدينة المملوكية ذات الطابع الفريد على الساحل المتوسطي .

   تتكامل هذه الرؤية لمدينة طرابلس مع معطيات أخرى تتوفر فيها ، و تتمثل بقوة في إتساع قاعدة بعض الحرف فيها ، و بالتالي إستثمار المدينة في المجال و المحيط الذي تنتمي إليه ، كمرتكز و عاصمة حرفية لبعض الحرف و السلع و المنتوجات ، كالمفروشات و التجارة و الصابون و النحاسيات و الحلويات و الموالح …. و إرتكاز النشاط الإقتصادي في المدينة على مجموعة محدودة من الحرف ، هو في الحقيقة مسألة قديمة تعكس مجموعة علاقات موروثة لم تجد ظروفاً مؤاتية للتطور . و السبب في هذا يعود إلى طبيعة البنية الإجتماعية التقليدية المهيمنة ، حيث كانت الأصناف الحرفية ، حسب التسمية العثمانية ، يتم توارثها عائلياً ، بحيث تبقى ” الصنعة ” أو ” الكار ” سراً ثم ” إرثاً ” يتناقله الأبناء و الأحفاد ضمن حلقة شبه مغلقة . هذا الواقع أدى إلى تجذر عقلية تقوم على الإقتصاد العائلي الحرفي المتخصص و المغلق . هذه الحرف و إن تحولت بالإسم إلى ” مؤسسة  ” فإنها بقيت تدار بذهنية ” الصنعة ” أو ” الحرفة ” . مما عرقل تطورها ، و أفقدها القدرة على المنافسة ، و بالتالي مراكمة و تجميع رأسمال ، و إعادة ضخه في عمليات متكاملة تؤدي لتأمين المزيد من فرص العمل من جهة و تطوير الإستثمارات الإقتصادية من جهة أخرى .

   المسألة تتعلق بتخلف الذهنية الإقتصادية الطرابلسية ، وميلها الى الأنشطة الإقتصادية الريعية المأمونة ، وغيابها عن مواكبة المفاهيم الإدارية الجديدة التي تتطلب إستخداماً لتقنيات لم تكن معروفة سابقاً .

   ان التخطيط لمستقبل المدينة يتطلب بتقديري التركيز على هذين المستويين وتامين مقومات الإنطلاق والتحديث والتأهيل اللازمة لهما ، وبدون ذلك تذهب الجهود في طريق التبعثر بعيداّ عن رؤية إستراتيجية ترسم ملامح المستقبل . ولا تدعي هذه الرؤية التي نقدمها الشمولية بقدر ماتطرح نفسها للنقاش بهدف الإغناء اوالتطوير والتعديل بل وحتى النقض .

   إن التخطيط لمستقبل المدينة هو من صميم مهمات المجتمع الأهلي بكافة قطاعاته عبر أطره الجمعياتية والنقابية والبلدية ، واذا كان الأمر يتخطى امكاناتهم ويتعلق برؤية النظام اللبناني لموقع ودور المدينة في هذا ” الوطن ” ، وهي رؤية لا تزال ضبابية ، فيها الكثير من الإلتباس والحذر، وهو الذي أدى الى سياسة التهميش ، ووضع طرابلس في دائرة الحرمان والنسيان ، فإن هذا دافعاً قوياً لتصحيح هذا ” الإرث ” في التعامل الرسمي مع المدينة ، يتطلب الضغط لتعديل سياسات وأولويات الإنماء والإعمار لتنطلق من مبدأ الإنماء المتوازن الذي نص عليه إتفاق الطائف . على أن هذا لا يعفي أهل المدينة وفعالياتها وتياراتها من مسؤوليتهم تجاه الواقع المتردي ، بل يفرض عليهم تفعيل حركتهم وفق رؤية إستراتيجية واضحة وبعيدة عن الضبابية والديماغوجية .

– في أساليب العمل : ويقودنا التسلسل المنطقي للدراسة الى طرح رؤيةمتوازية لتطوير العمل الأهلي بحيث يرقى الى مستويات أفضل يستطيع من خلالها القيام بواجباته بصورة أفضل وفي إطار إستراتيجية ورؤية تتكامل فيها الجهود وتتلاقى على أهداف واضحة ومحددة. لذلك لابد من خطوات تندرج في إطار ” مأسسة ” العمل الأهلي وإبعاده عن الشخصانية ، ويصبح في هذا المجال ، من الأوليات تطوير إدارات كفؤة للعمل الأهلي ، وتحديث العقلية الإدارية بما يضمن تحقيق ما يلي :

1- ترسيخ مفهوم العمل الجماعي من خلال بناء وتشجيع فرق العمل كأساس لتنفيذ برامج وأهداف الجمعيات ، بما يحد من التوجه الفردي والمصالح الذاتية الضيقة لدى الأعضاء والذي يمثل عائقاً لإنطلاقة الجمعيات الأهلية.
2- التأكيد على الممارسة الديموقراطية داخل أطر العمل الأهلي ، إن من حيث مشاركة الأعضاء في تشخيص وتحليل المشكلات التي تواجه الجمعية وعملها , او لجهة مشاركتهم بإتخاذ القرارات بشكل جماعي ، بما يخلق لديهم شعوراً بالإنتماء وحافزاً متجدداً لمزيد من العطاء . إن الممارسة الديموقراطية تشكل حقلاً لتدريب الأعضاء على تحمل المسؤولية وتنمي داخلهم روح المبادرة والتي غالباً ما يفتقد اليها العمل الأهلي .
3- تنمية وتشجيع مهارات التفكير الإبتكاري والإبداعي في التخطيط والتنفيذ ، من خلال إعتمادطرق الإدارة بالمشاركة ” Management by participation” وهي أكثر أنواع الإدارة إتساقاُ مع مفهوم العمل الأهلي ، لإنها تساعد على التخلص التدريجي من الثقافة الإدارية التقليدية الموروثة لدى الأعضاء .
4- التشجيع على إعتماد أشكال التنظيمات الإدارية الأفقية الشبكية ، بدلاً من التنظيمات الهرمية المتفقة مع التسلسل السلطوي الرأسي ، لأنها أكثر إنسجاماً مع فكرة العمل الجماعي وديموقراطية الإداء الإداري وهي تتيح هامش حركة أكبر للأعضاء , الأمر الذي يحفزهم على المبادرة وتحمل المسؤولية .
5- تعزيز ما يعرف بمبدأ ” الرقابة الذاتية ” و ” تقييم الأداء المتبادل ” فالعمل الجماعي وروح الفريق والمشاركة الجماعية في إتخاذ القرارات من خلال إتصالات مفتوحة ، تخلق رقابة ذاتية لدى الأعضاء, بإعتبار روح المسؤولية المتولدة عن الإتفاق والمشاركة مع الآخرين . إن مفهوم ” الرقابة والتقييم المتبادل ” يعتبر إفرازاً ومكوناً طبيعياً لنظام الإدارة بالمشاركة ، وبالتالي فإن مفهوم الشفافية ، الذي كثر الحديث عنه سوف يكتسب مضموناً حقيقياً في ظل تطبيق هذا المبدأ .
6- إن مرونة الهيكل الإداري وديموقراطية الأداء ، تخلق بشكل تلقائي مناخاً افضل لتشجيع التطوع ، وبالتالي الإستجابة لمتطلبات المجتمع المحلي المحيط بالجمعية . وبصفة أخرى انه يتيح إمكانية مشاركة مواطني المجتمع المحلي أنفسهم في إدارة أعمال الجمعية وممارسة الرقابة على هذه الأعمال مباشرة ، وهذا ما يساعد على إكتساب الجمعية صفة المصداقية وبالتالي الشرعية الشعبية التي تساعد على إستمرارها ونموها .
7- تبني قضايا التمكين (Empowerment)   والمناصرة advocacy  لتأكيد مبدأ الدفاع عن الحقوق الإقتصادية والإجتماعية ، في إطار رؤية إسترتيجية متكاملة للتنمية تتبنى المنظورين ، بعيد المدى المعني بالعملية التنموية ، وقصير المدى المعني بتقديم الخدمات ، وبدون ذلك لا يمكن للبنى المجتمعية الأساسية ان تتغير بما يحقق العدل الإجتماعي .
8- تجاوز الإيدولوجيات ، بما يوفر ساحة للتفاعل والإحترام المتبادل لوجهات النظر من منطلق المداخل المختلفة Entry points وصولاً الى المقاربة الشاملة والإجماع على الأهداف المشتركة .

   إن إسترتيجية التنمية المحلية بعناوينها العريضة ، لا يمكن تحقيقها إلا من خلال تناغم مشترك ، وإيقاع متناسق ، ينخرط فيه المجتمع ممثلاً بقواه الحية والنشطة والواعية للأهداف البعيدة ، والمدركة لأهمية دورها ومساهمتها ومبادرتها، والواثقة أن جهودها ستجد مكاناً لها في لوحة العملية التنموية ، المحلية منها والعامة . لذلك فإن تبصير وتعبئة المجتمع المحلي وقوى العمل الأهلي بالرؤية الإستراتيجية وإبراز أهميتها ، وخلق الأطر الحاضنة لمبادراتها ، من الأولويات الهامة للنجاح وإستمرار العطاء في الإتجاه الصحيح .

   وطرابلس بقدر ما تحتاج الى طاقات ابنائها ومبادرتهم ، تحتاج لأن تكون هذه الطاقات والمبادرات في الطريق الصحيح نحو تحديث وتطوير العمل الأهلي ببعديه الجمعياتي  والبلدي، بل نقول والنقابي والسياسي ، وكلما كان هذا الجهد نابعاً من رؤية إستراتيجية تتطلع نحو دور ووظيفة لمدينة تبحث عن موقع لها في هذا الوطن كطرابلس ، كانت هذه الجهود أكثر فعالية وتأثيراً .  
     

 

 

      

 

  

التصنيفات
من علماء طرابلس

الشيخ ابراهيم الاحدب

 

الشيخ إبراهيم الأحدب

(1826-1891م)

 

  جاء في موسوعة أعلام القرن الرابع عشر والخامس عشر لإبراهيم ابن عبد الله الحازمي[1] “كان من المشتغلين بالعلم والأدب ونظم الشعر، وكان سيال القلم وذا قريحة شعرية مع سرعة الخاطر ينظم القصيدة في جلسة واحدة. وبلغ ما نظمه نحو ثمانين ألف بيت من الشعر. وكان كثير المداراة، لين الجانب، بشوش الوجه، واسع الاطلاع في الفقه واللغة. وقد وعى كثيراً من أشعار المتقدمين وأقوالهم وأدبهم ونوادرهم”. وجاء مثله كذلك في موسوعة الأعلام الشرقية[2] .

مؤلفاته:

  بالإضافة إلى مسرحياته التي بلغ تعدادها نحواً من عشرين رواية تمثيلية بعضها مبتكر وبعضها مأخوذ من التاريخ الإسلامي، والآخر مقتبس عن اللغات الأوروبية[3] ترك الأحدب الآثار الآتية:

1. ديوان شعر نظمه في صباه ورتبه على ثمانية فصول.

2. ديوان “النفح المسكي في الشعر البيروني” المطبعة العمومية، بيروت، 1284 هـ، 232 صفحة.

3. ديوان آخر نظمه بعده 1284 هـ.

4. مقامات تبلغ ثمانين مقامة أملاها على لسان أبي عمر الدمشقي وأسند رواياتها إلى أبي المحاسن حسان الطرابلسي على نحو مقامات الحريري.

5. فرائد الأطواق في أجياد محاسن الأخلاق. تحتوي على مائة مقالة نثراً ونظماً على مثال مقامات الزمخشري.

6. فرائد اللآل في مجمع الأمثال: نظم فيه الأمثال التي جمعها الميداني في نحو ستة الآف بيت. وقد شرح هذا الكتاب في مجلدين وجعله خدمة لجلالة السلطان. وعني ولداه بطبع هذا الكتاب بعد موته، فجاء كتاباً ضخماً صفحاته تسعمائة صفحة كبيرة مطبوعة طبعاً جميلاً تلونت به الأمثال باللون الأحمر لتظهر وحدها دون سائرالنظم والشروح. المطبعة الكاثوليكية، بيروت، 1312 هـ، جزءان 380 و 418 صفحة.

7. تفصيل اللؤلؤ والمرجان في فصول الحكم والبيان. فيه مايتان وخمسون فصلاً في الحكم والآداب والنصائح.

8. نشوة الصهباء في صناعة الإنشاء.

9. إبداع الإبداء لفتح أبواب البناء في التصريف. مطبعة جمعية الفنون في بيروت 1299 هـ في 135 صفحة من القطع الصغير.

10. مهذب التهذيب في علم المنطق نظما.

11. ذيل على ثمرات الأوراق لابن حجة الحموي، طبع بهامش المستطرف وغيره، المطبعة الوهيبة بمصر 1300 هـ.195 صفحة.

12. كشف المعاني والبيان عن رسائل بديع الزمان. ألف هذا الشرح في أواخر أيامه وطبع بنفقة الأباء اليسوعيين، المطبعة الكاثولكية، بيروت 1890م وطبعه ثانية 1921م ، 545 صفحة.

13. الوسائل الأدبية في الرسائل الأحدبية.

14. وشي اليراعة في علوم البلاغة والبراعة. المطبعة العمومية، بيروت، 1286 هـ/ 1871م، 55 صفحة.

15. تحفة الرشيدية في علوم العربية. بيروت، 1285 هـ 89 صفحة. المطبعة العمومية، بيروت.

16. كشف الأرب عن سر الأدب. بيروت، مطبعة دار الفنون، 1293 هـ، 65 صفحة. 

 

 


[1]  دار الشريف، الطبعة الأولى، 1419 هـ، ص 132.

[2]  زكي محمد مجاهد: الأعلام الشرقية. نشر دار الغرب الاسلامي، الطبعة الثانية، بيروت، 1994، ص 249.

[3]  نزيه كبارة: المسرح في لبنان الشمالي، اصدار المجلس الثقافي للبنان الشمالي، نشر دار جروس برس، 1998، ص 59 و 60.

التصنيفات
Uncategorized

المركز الثقافي للحوار والدراسات

تأسس المركز الثقافي للحوار والدراسات في 21 كانون الثاني 2009 في لبنان كإطار جامع للطاقات الفكرية الهادفة الى تعزيز ثقافة الحوار والعيش الواحد والتسامح في المجتمع اللبناني.

من أهدافه:
1 – تعزيز حركة المجتمع المدني بإتجاه تفعيل وحدته وتمتين قيم الديمقراطية والمساواة والعدالة والحرية فيه عبر الندوات والمؤتمرات ووسائل الإعلام كافة.
2 – العمل على حفظ الإرث الثقافي والتاريخي والوثائقي وأرشفة وتوثيق المهمل منه وإبراز أهميته في الذاكرة المجتمعية.
3 – ترجمة الأعمال الفكرية البارزة والتي تخدم أهداف الجمعية إلى العربية وإلى اللغات الأجنبية لوضعها بين يدي الطلاب والباحثين المختصين بما يخدم هذه الأهداف.
4 – تنظيم أبحاث ونشاطات وورش عمل ودراسات تربوية وتنموية وإحصائية واستطلاعات رأي تستهدف تقديم توصيات إلى الجهات المعنية لتحسين أداء المؤسسات والمرافق العامة.
5 – إنشاء مكتبة عامة وذات طابع متخصص تتضمن قسماً للأطفال وقسماً تربوياً.
6 – إصدار نشرات تثقيفية وكتيبات للتوعية إنطلاقاً من أهداف الجمعية وبما يخدم أهدافها العامة.

التصنيفات
من علماء طرابلس

الشيخ محمد رشيد رضا العالم الثائر والمفكر الإصلاحي الرائد

الشيخ محمد رشيد رضا العالم الثائر والمفكر الإصلاحي الرائد

         يمثل الشيخ محمد رشيد رضا نموذجاً للشخصية الإسلامية القلقة، فقد عاش نحو سبعين عاماً، أغلبها عامراً بالحركة والنشاط والعمل، يقرأ ويبحث ويكتب ويؤلف ويخطب ويعظ، ويحاور ويراسل، ويطبع وينشر، ويسافر ويرحل، ويشارك بنشاطه في الجمعيات والهيئات ويشتغل بالسياسة وقضايا العروبة والإسلام فضلاً عن الصحافة، ويصدر من مجلة المنار وثلاثين مجلداً، فضلاً عن إشتغاله بتفسير القرآن يطبع منه إثني عشر مجلداً، شخصية حركية لا تهدأ ولا تمل الإتصال بالكثير من الإعلام والزعماء والأدباء والعلماء، فترك أثراً لا يمحى في حياة جيله والأجيال التي أعقبت.
  عاش الشيخ الإمام محمد رشيد رضا مرحلة من أكثر المراحل خطورة في تاريخ أمتنا والتي شهدت تحولات هائلة، فقد عاصر المرحلة التي تدهور فيها حال الدولة العثمانية وساد فيها الفساد رغم كل المحاولات الإصلاحية التي جرت للنهوض بحالها، وعاصر مرحلة الإنقلاب العثماني وسيطرت ما عرف بجماعة الإتحاد والترقي على الأستانة، كما عاصر الحرب العالمية الأولى ونتاجها بدءاً بسقوط البلاد العربية والإسلامية تحت الإنتداب والإحتلال الأجنبي وإنتهاءً بإلغاء الخلافة عام 1924 إلى ثورة الشريف حسين والثورة السورية الكبرى، وصولاً إلى بدايات الهجرة اليهودية الصهيونية التي نبه مبكراً إلى خطورتها.
  في مقال له بعنوان “الجنسية والدين الإسلامي” نشرها عام 1317/ 1899، قال إن الجماعة الإسلامية لها طرفان الأول يضم المعتقدين بالدين الإسلامي ويربطهم برباط الأخوة الإيمانية حتى يكونوا جسماً واحداً، وقد إنحلّت هذا الرابطة، ولكنها ما زالت ولن تزول، ويجب توثيقها من خلال التعاون والتضامن بين البلاد الإسلامية على قضايا التربية والتعليم والإجتماع وغيرها، والثاني فهو الذي يربط المسلم وغيره من أرباب الملل برابطة الشريعة العادلة التي يحكمون بها جميعاً بالمساواة. وهذه الرابطة أيضاً طرأ عليها تعديل بتخلي الكثير من الحكومات عنها، فصار من الواجب تقديره على المسلمين في كل عصر ” أن يسعوا بالإشتراك مع مواطنيهم الذين يحكمون معهم بحكومة واحدة، إلى كل ما يعود على وطنهم وبلادهم بالعمران ويفجر فيهم ينابيع الثروة من أجل مزيد من المنعة والقوة والإستعداد”.  ومع ذلك، لم يكن هذا يعني تخليه عن المضمون السياسي للجامعة الإسلامية. فهو إعتقد بأن العمل السياسي من أجلها هو أمر ينطوي على محاذير كثيرة، إلاّ أنه إعتقد أيضاً أن هذا المضمون يمكن أن يتحقق بطريق آخر هو طريق “الإصلاح الديني” و “الإصلاح التربوي”، وذلك لأن الإصلاح الديني لا بد أن يلازم “الإصلاح السياسي المدني”، وهذا الإصلاح لا يتحقق، كما عبّر عنه حين كان لا يزال مؤيداً للسلطان عبد الحميد، لا يتحقق بعمارة المساجد والتكايا ولا بالإنعام على بعض الشيوخ بالرتب والرواتب، بل يجمع كلمة المسلمين على عقيدة واحدة وأصول أدبية واحدة وقانون شرعي واحد ولغة واحدة هي اللغة العربية لا التركية. وهذا الإصلاح يتوقف على تأليف جمعية إسلامية تحت الحماية الخليفة يكون لها شُعَب في كل قطر إسلامي وتكون عظمى شُعبَها في مكة المكرمة التي يؤمها المسلمين من جميع الأقطار، تأخذ على عاتقها محاربة البدع وإصلاح الخطابة والدعوة إلى الدين والتغريب بين الحكومات الإسلامية، والإتحاد بهدف صد الهجمات الأوروبية. أما غاية هذا الإتحاد الذي يدعو له فهي “أن تكون هذه الدول كالدولة المتحالفة بالنسبة للأمور الخارجية وكالولايات المتحدة في الإصلاحات الداخلية كالتربية والتعليم ووحدة الإحكام والآداب واللغة”.

التصنيفات
دراسات في تاريخ طرابلس وحاضرها

العادات الاجتماعية في طرابلس بين الانقطاع والاستمرار

 يتخطى مفهوم العادة الاجتماعية مسألة التكرار لسلوكيات معينة أو النشاط اللاشعوري والناتج عن تكرار فعل ما اجتماعياً كان أم فردياً وبلا شك فإن العادات الجماعية هي بطبيعتها استجابة ثابتة نسبياً ومتغيرة تبعاً لذلك، لانها تستجيب في الزمان والمكان لحاجة اجتماعية يمكن ان تصبح مع الممارسة مستقلة عن الزمان والمكان وإن وجدت في البداية ضمنهما.

العادات الاجتماعية

التصنيفات
الوثائق والسجلات المفهرسة

لائحة السجلات التي تمّ فهرستها

لائحة السجلات التي تمّ فهرستها

الإسم

السنة

السنة

ملاحظات

أحمد بستاني

1077 – 1078 هـ

1666 – 1667 م

إشراف د. خالد زيادة مع طلاب

الدراسات العليا في “الجامعة اللبنانية”

عاهدة الأيوبي

1078 – 1090 هـ

1667 – 1679 م

أمال لوقا

1096 – 1098 هـ

1684 – 1686 م

إشراف د. خالد زيادة مع طلاب

الدراسات العليا في “الجامعة اللبنانية”

نورما أبو حسان

1127 – 1136 هـ

1715 – 1723 م

إشراف د. خالد زيادة مع طلاب

الدراسات العليا في “الجامعة اللبنانية”

لينا شنبور

1141 – 1142 هـ

1728 – 1729 م

إشراف د. خالد زيادة مع طلاب

الدراسات العليا في “الجامعة اللبنانية”

فؤاد طرابلسي

1143 – 1145 هـ

1730 – 1732 م

إشراف د. عبد الغني عماد

في إطار أعمال

“مشروع إحياء التراث الوثائقي والثقافي”

مهى حفار

1150 – 1154 هـ

1737 – 1741 م

إشراف د. خالد زيادة مع طلاب

الدراسات العليا في “الجامعة اللبنانية”

هدى الرفاعي

1156 – 1159 هـ

1743 – 1746 م

إشراف د. خالد زيادة مع طلاب

الدراسات العليا في “الجامعة اللبنانية”

ناديا أبو يزبك

1159 – 1160 هـ

1746 – 1747 م

إشراف د. خالد زيادة مع طلاب

الدراسات العليا في “الجامعة اللبنانية”

أحمد حروق

1161 – 1162 هـ

1748 – 1749 م

محمد الشامي

1163 – 1164 هـ

1749 – 1750 م

إشراف د. خالد زيادة مع طلاب

الدراسات العليا في “الجامعة اللبنانية”

خديجة السرموط

1164 – 1165 هـ

1750 – 1751 م

جمانة بغدادي

1166 – 1167 هـ

1752 – 1753 م

إشراف د. عبد الغني عماد

في إطار أعمال

“مشروع إحياء التراث الوثائقي والثقافي”

هبة فتوح

1168 – 1170 هـ

1754 – 1756 م

إشراف د. عبد الغني عماد

في إطار أعمال

“مشروع إحياء التراث الوثائقي والثقافي”

فاتن أحمد عثمان

1170 – 1173 هـ

1756 – 1759 م

إشراف د. عبد الغني عماد مع طلاب

الدراسات العليا في “الجامعة اللبنانية”

رويدا قاسم

1174 – 1175 هـ

1760 – 1761 م

إشراف د. عبد الغني عماد مع طلاب

الدراسات العليا في “الجامعة اللبنانية”

أحمد شعبان

1175 – 1177 هـ

1761 – 1763 م

هدى مكاري

1177 – 1178 هـ

1763 – 1764 م

إشراف د. خالد زيادة مع طلاب

الدراسات العليا في “الجامعة اللبنانية”

جمال هواري

1178 – 1180 هـ

1764 – 1766 م

هبة فتوح

1179 – 1182 هـ

1765 – 1768 م

إشراف د. عبد الغني عماد

في إطار أعمال

“مشروع إحياء التراث الوثائقي والثقافي”

غزوة صافي

1182 – 1186 هـ

1768 – 1772 م

إشراف د. خالد زيادة مع طلاب

الدراسات العليا في “الجامعة اللبنانية”

نسرين نجار

1187 – 1190 هـ

1773 – 1776 م

إشراف د. عبد الغني عماد مع طلاب

الدراسات العليا في “الجامعة اللبنانية”

سماح شمس

1192 – 1194 هـ

1778 – 1780 م

فؤاد طرابلسي

1194 – 1197 هـ

1780 – 1782 م

إشراف د. عبد الغني عماد

في إطار أعمال

“مشروع إحياء التراث الوثائقي والثقافي”

هبة فتوح

1198 – 1200 هـ

1783 – 1785 م

إشراف د. عبد الغني عماد

في إطار أعمال

“مشروع إحياء التراث الوثائقي والثقافي”

جمانة بغدادي

1203 – 1206 هـ

1788 – 1791 م

إشراف د. عبد الغني عماد

في إطار أعمال

“مشروع إحياء التراث الوثائقي والثقافي”

فؤاد طرابلسي

1206 – 1208 هـ

1791 – 1793 م

إشراف د. عبد الغني عماد

في إطار أعمال

“مشروع إحياء التراث الوثائقي والثقافي”

1207 – 1209 هـ

1792 – 1794 م

1215 – 1225 هـ

1800 – 1810 م

جومانة بغدادي

1228 – 1229 هـ

1812 – 1813 م

إشراف د. عبد الغني عماد

في إطار أعمال

“مشروع إحياء التراث الوثائقي والثقافي”

1229 – 1230 هـ

1813 – 1814 م

1230 – 1231 هـ

1814 – 1815 م

عبد الرزاق عمر الرافعي (45)

1231 – 1232 هـ

1815 – 1816 م

إشراف د. عبد الغني عماد مع طلاب

الدراسات العليا في “الجامعة اللبنانية”

فؤاد طرابلسي (46)

1232 – 1234 هـ

1816 – 1818 م

إشراف د. عبد الغني عماد

في إطار أعمال

“مشروع إحياء التراث الوثائقي والثقافي”

منى يحي حسين (47)

1234 هـ

1818 م

إشراف د. عبد الغني عماد مع طلاب

الدراسات العليا في “الجامعة اللبنانية”

1235 هـ

1819 م

لينا شعبو (49)

1238 – 1239 هـ

1822 – 1823 م

إشراف د. عبد الغني عماد مع طلاب

الدراسات العليا في “الجامعة اللبنانية”

1239 – 1241 هـ

1823 – 1825 م

فؤاد طرابلسي

1241 – 1243 هـ

1825 – 1827 م

إشراف د. عبد الغني عماد

في إطار أعمال

“مشروع إحياء التراث الوثائقي والثقافي”

حورية علوش (52)

1247 – 1250 هـ

1831 – 1834 م

إشراف د. عبد الغني عماد

في إطار أعمال

“مشروع إحياء التراث الوثائقي والثقافي”

1250 – 1259 هـ

1834 – 1843 م

1251 – 1252 هـ

1835 – 1836 م

1253 – 1255 هـ

1837 – 1839 م

1255 – 1256 هـ

1839 – 1840 م

فؤاد طرابلسي

1256 – 1257 هـ

1840 – 1841 م

إشراف د. عبد الغني عماد

في إطار أعمال

“مشروع إحياء التراث الوثائقي والثقافي”

جمانة بغدادي (33)

1260 – 1263 هـ

1844 – 1847 م

إشراف د. عبد الغني عماد

في إطار أعمال

“مشروع إحياء التراث الوثائقي والثقافي”

1264 – 1265 هـ

1848 – 1849 م

1266 – 1267 هـ

1850 – 1851 م

1267 – 1268 هـ

1851 – 1852 م

1268 – 1270 هـ

1852 – 1854 م

1269 – 1270 هـ

1853 – 1854 م

جمانة بغدادي

سلام جنزرلي (46)

1270 – 1271 هـ

1854 – 1855 م

إشراف د. عبد الغني عماد

في إطار أعمال

“مشروع إحياء التراث الوثائقي والثقافي”

محمد عبد الكريم مصطفى (47)

1271 – 1272 هـ

1855 – 1856 م

إشراف د. عبد الغني عماد مع طلاب

الدراسات العليا في “الجامعة اللبنانية”

1272 – 1273 هـ

1856 – 1857 م

1273 – 1274 هـ

1857 – 1858 م

1274 – 1275 هـ

1858 – 1859 م

1277 – 1278 هـ

1860 – 1861 م

1281 – 1283 هـ

1864 – 1866 م

1283 – 1284 هـ

1866 – 1867 م

1287 – 1288 هـ

1870 – 1871 م

1287 – 1289 هـ

1870 – 1872 م

1289 هـ

1782 م

جمانة بغدادي (78)

1289 – 1290 هـ

1872 – 1873 م

إشراف د. عبد الغني عماد

في إطار أعمال

“مشروع إحياء التراث الوثائقي والثقافي”

1290 – 1291 هـ

1873 – 1874 م

1291 هـ

1874 م

1291 – 1292 هـ

1874 – 1875 م

1292 – 1294 هـ

1875 – 1877 م

1295 – 1296 هـ

1878 – 1879 م

1296 – 1299 هـ

1879 – 1882 م

1299 – 1300 هـ

1882 – 1883 م

فؤاد طرابلسي

1292-1294 هـ

1875-1877 م

إشراف د. عبد الغني عماد

في إطار أعمال

“مشروع إحياء التراث الوثائقي والثقافي”

هبة فتوح

1295-1296 هـ

1878-1879 م

إشراف د. عبد الغني عماد

في إطار أعمال

“مشروع إحياء التراث الوثائقي والثقافي”

هبة فتوح

1316-1317 هـ

إشراف د. عبد الغني عماد

في إطار أعمال

“مشروع إحياء التراث الوثائقي والثقافي”

التصنيفات
Uncategorized

من نحن

مشروع إحياء التراث الوثائقي والثقافي
لمدينة طرابلس

لا يمكن قراءة التاريخ عموماً دون الرجوع الى الوثائق التي هي بمثابة الشواهد على أحداثه ومساراته ومحطاته. ولا يمكن بالتالي تصور تاريخ البشرية من دون مثل هذه الوثائق والمستندات.

ولقد تركت لنا العصور المتعاقبة أثاراً مكتوبة ومخطوطات مختلفة الأهمية ومتنوعة الشكل، وبالطبع متفاوتة المصداقية، غير ان المهم منها، والذي درج على تسميته بـ “الوثائق” بقي المرجع الأكثر ركوناً إليه من قبل المؤرخين والدارسين والباحثين.

وإذا كان البعض يعتبر “الوثيقة” مرآة للتاريخ، والبعض الآخر يرى فيها نبض حركة الجماعة أو الفرد في حقبة غابرة، فإن افتقارنا إلى وثائق كافية عن مراحل معينة من تاريخ مجتمعاتنا ضاعف من أهمية الوثائق النادرة والمتوفرة، أو التي لا يزال يعثر عليها بين الحين والآخر. وفي هذا السياق أنشئت المراكز والمعاهد المتخصصة، وشكلت فرق البحث والخبراء للتحقيق والعناية بهذه الكنوز المعرفية، وكان هذا الاهتمام سمة من سمات عصرنا الراهن، لا سيما بعد ظهور الأمم المتحدة ومنظماتها التابعة المتخصصة، ومنها تحديداً تلك المعنية بمجتمع المعلومات، وبالحفاظ على التراث الإنساني.

ولا جدال في أن تطور تكنولوجيا الاتصال وثورة المعلومات أكسبت الوثائق التاريخية قيمة جديدة، فهي بقيت تمثل ما يمكن اعتباره “النوع المعلوماتي الأصيل” مقابل “الكم المعلوماتي المتواتر” الذي يصعب التحقق منه بسبب سرعة انتشاره إلى درجة يصبح معها أحياناً من المسلمات المعرفية. لذلك فأن عالم التراث الوثائقي تتمتع به عادةً قلة من الباحثين والمعنيين بصون التراث وحفظه لكي يكون أداة حاسمة تجلو صورة الماضي، في قضايا قد تكون محط خلاف ونزاع في الحاضر، وربما في المستقبل.

مشروع إحياء التراث الوثائقي والثقافي لمدينة طرابلس:
لا شك أن طرابلس مدينة عريقة بتاريخها وآثارها التي لا تزال، رغم كل ما أصابها من إهمال وتخريب، ناطقة ومعبرة عن دور حضاري فاعل لعبته على مدى أجيال وحقب تاريخية مديدة. فطرابلس تشكل منجماً غنياً من الناحية الوثائقية والأثرية والتاريخية، فيه من الحضارة والعراقة ما يحفزّ أقلام الباحثين إلى المزيد من البحث والتدقيق لكشف هذه الكنوز الوثائقية المبعثرة هنا وهناك.

وكم عانى الباحثون من أبناء طرابلس، ومن العلماء الذين أحبوا طرابلس من بلدان شتى عربية وأجنبية، كم عانى هؤلاء من مشقة البحث عن المراجع والمصادر الأصلية الخاصة بطرابلس، هذه الوثائق المبعثرة في عواصم شتى، بين استامبول والقاهرة، إلى باريس ولندن، بل حتى في قلب المدينة، هي أيضاً مبعثرة في مواقع شتى، وإن وجدت فهي تفتقر إلى الحد الأدنى من التوثيق والفهرسة والأرشفة الدقيقة والصحيحة، الأمر الذي يعرقل ويحدّ من إطلاق الدراسات الجادة حول تاريخ طرابلس ودورها الحضاري بشكل واسع.
لهذه الأسباب تلاقت جهود المركز الثقافي للحوار والدراسات مع الدور الطليعي الذي تقوم به جمعية العزم والسعادة الاجتماعية على المستوى التنموي في مدينة طرابلس لإطلاق مشروع إحياء الإرث الوثائقي.

– الأهداف العامة للمشروع:
جمع الوثائق الطرابلسية، وتحريرها وفهرستها، وتصنيفها بعد أرشفتها، ووضعها بتصرف الباحثين الشباب وتنظيم مؤتمرات وندوات وحلقات بحث علمية حول تاريخ طرابلس الحديث على أساسها. ومن ثم نشر هذه الوثائق والدراسات لكي تكون مرجعاً بتصرف مراكز الأبحاث والباحثين في العالمين العربي والإسلامي من خلال طبعها بشكل يليق بتاريخ المدينة، وحفظها على أقراص مدمجة لتسهيل التعامل معها وفق أحدث الطرق المعلوماتية وبما يحفظها من التلف والضياع.
إن مشروع إحياء الإرث الوثائقي يتطلع إلى إنشاء مركز يحفظ ذاكرة طرابلس الثقافية والحضارية وهو يستهدف في خطته كمرحلة أولى:
– فهرسة وتبويب سجلات المحكمة الشرعية والتي تتضمن آلاف الوثائق والتي تبدأ منذ العام 1666م. وهي لا تزال كمخطوطات “مادة خام” في غالبيتها لم تتعرض للدراسة والفهرسة والتبويب، الأمر الذي يجعل من استفادة الباحثين فيها أمراً صعب المنال.
– تجميع وأرشفة وفهرسة الوثائق الخاصة بطرابلس والموجودة في مركز الوثائق والمحفوظات في اسطمبول، وهي وثائق على درجة عالية من الأهمية، نظراً لما توفره من معلومات حول تاريخ المدينة الاقتصادي والسياسي والإداري.
– جمع وترجمة مراسلات القناصل الفرنسيين والانكليز وغيرهم الذين كانوا في طرابلس والموجودة في بعض العواصم الأوروبية.
– العمل على جمع الوثائق والمحفوظات الموجودة في بيوت العائلات الطرابلسية ومكتبات أبنائها والمتعلقة بما تركه علماء طرابلس من آثار ومخطوطات وكتابات، وتحقيقها ونشرها، وهي كثيرة ولا تزال حبيسة هذه البيوت نظراً لعدم توفر الثقة عند هذه العائلات من جهة، وعدم وجود المؤسسات الأكاديمية والمهنية المختصة لتحقيقها والحفاظ عليها.
– نشر المخطوطات أو المطبوعات النادرة لعلماء وأدباء ومؤلفي طرابلس والتي لم تعد متوافرة للباحثين وأصبحت بالتالي كإرث ثقافي عرضة للنسيان والضياع.
– طباعة ونشر الدراسات الجامعية وأطروحات الدكتوراه التي تتعلق بتاريخ طرابلس وواقعها الراهن والتي تتمتع بالمواصفات العلمية والأكاديمية وتتفق بالتالي مع أهداف المركز.
– إنشاء مكتبة عامة متخصصة تتضمن كل ما كتب عن طرابلس، ومتابعة ما يكتب عنها من أبحاث ودراسات تتعلق بتاريخها وواقعها الراهن، بحيث تصبح هذه المكتبة مقصداً لكل الباحثين الذين يهدرون الكثير من أوقاتهم بحثاً عن المصادر والمراجع المبعثرة. هذا إن وجدوها.
– ترجمة الكتب الهامة التي ألفها الرحالة والباحثون الأجانب عن طرابلس ونشرها لكي تكون بتصرف الباحثين والطلاب.
– إصدار مجلة دورية تتضمن دراسات موثقة ومتنوعة تتضمن محاور تتناول مواضيع جديدة حول مدينة طرابلس من حيث التاريخ والعادات والدور الحضاري، والواقع الحالي في جانبه التنموي والثقافي والاجتماعي. وهي مجلة نتطلع لكي تكون إضافة نوعية تعتمد كمرجع أكاديمي في مجالها، لذلك سوف تكون مجلة محكّمة يشرف عليها نخبة من المتخصصين والأكاديميين.
إننا في المركز الثقافي للحوار والدراسات إذ نطلق مشروع إحياء التراث الوثائقي والثقافي لمدينة طرابلس فإننا نستهدف من هذا المشروع حفظ تراث المدينة الثقافي وصيانة ذاكرتها المدينية، وتجميع مخطوطات أبنائها وإنتاجهم الفكري والعلمي على مدى الأجيال، وحفظ وثائق المدينة وتراثها الغني، وإعادة الاعتبار إليه من خلال أرشفته وتحقيقه وفهرسته، ووضعه بتصرف أبنائها والباحثين من العالمين العربي والإسلامي فضلاً عن الباحثين والعلماء الغربيين، وذلك في مركز ثقافي حديث وكبير يليق بمدينة طرابلس التي كانت يوماً دار العلم والعلماء والتي نتطلع بشوق إلى إحياء دورها هذا من جديد.

إنطلاق المرحلة الأولى من المشروع:
إننا والحمد لله، وفي سبيل هذا الهدف الحضاري، وفقنا وبالتعاون مع جمعية العزم والسعادة الاجتماعية، في إطلاق المرحلة الأولى من المشروع بتاريخ 1/7/2008 والتي تستهدف العمل على فهرسة وتبويب سجلات محكمة طرابلس الشرعية والتي تغطي وثائقها قسماً من القرن السابع عشر فضلاً عن القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وتحتوي على آلاف الوثائق الهامة والتي تعتبر سجلا يوميا لحياة الطرابلسيين في تلك المراحل، وهو العمل الذي سوف يترافق مع سلسلة من الندوات والمؤتمرات والحلقات النقاشية حول هذه الوثائق يشارك فيها نخبة من الباحثين المختصين.

لماذا هذه الوثائق وما أهميتها؟
يتضمن أرشيف المحكمة الشرعية في طرابلس العائد للمراحل العثمانية مئة وأربع سجلات تحمل الأرقام من 1 إلى 119 بالإضافة إلى سجلين غير مرقمين. وقد فقد بعض هذه السجلات ولم يتبقَ سوى 104 سجلات، وذلك بسبب الحريق الذي تعرضت له السرايا ودار المحكمة في طرابلس سنة 1976. ويومها تداعت بعض شخصيات المدينة لإنقاذ ما أمكن من هذه الوثائق التي حفظت أكثر من ثلاثة قرون، وكادت يد العبث ان تذهب بها في يوم مجنون من أيام الحرب عام 1976. وبمبادرة من الحاج فضل المقدم رحمه الله تشكلت رابطة لإحياء الإرث الفكري في المدينة عام 1982 أخذت على عاتقها بث الدعوة للحفاظ على هذه الوثائق، وتم حينها تصوير هذه الوثائق، فوضعت نسخة منها في كلية الآداب والعلوم الإنسانية ونسخة ثانية في معهد العلوم الإجتماعية وثالثة في مركز رابطة إحياء التراث الفكري في طرابلس بإنتظار أن يتم تبويبها وفهرستها نظراً لما تتضمنه من ثروة علمية وتاريخية لا غنى عنها للباحثين في تاريخ المدينة.
ومنذ ذلك الحين، وعدا المحاولات الفردية الجادة للإستفادة من هذه الوثائق والتي كانت تصطدم دائماً بغياب الفهرسة والتبويب اللازمين لتسهيل مهمة الباحثين، لم يتم القيام بأي محاولة مؤسساتية أو أكاديمية مدروسة لتنظيم وفهرسة وتبويب هذه الوثائق التاريخية التي لا تزال تشكل مادة أولية كمخطوطات تتضمن ثروة من المعلومات حول طرابلس بكل معنى الكلمة.

ما أهمية هذه الوثائق؟
يعود أقدم ما بقي من سجلات محكمة طرابلس الشرعية إلى العام 1077 هـ/1666 م، وكانت طرابلس في ذلك الوقت لا تزال مركزاً لولاية قبل أن تصبح في القرن الثامن عشر تابعة لولاية دمشق ولولاية عكا في فترة من فترات القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر.
والمخطوطات التي تتضمنها السجلات، متفاوتة في عدد صفحاتها وإن كان الأغلب يدور حول الـ 300 صفحة، وهي كتبت بالمداد الأسود، وبخطوط مختلفة، أكثرها جميل ومقروء، ومتنوع بين الخط الرقعي، والديواني، والنسخي، والثلث.

تتضمن المخطوطات والوثائق مواضيع شتّى جرى تسجيلها حسب ورودها إلى قلم المحكمة حينها دون أي تصنيف يتعلّق بموضوعاتها فهي متداخلة وغير مبوبة، وبالتالي يجد القارئ لهذه المخطوطات وثائق تتعلق بالنواحي الإقتصادية والتجارية، والأسواق، والمهن، والحرف، ومستوى المعيشة، كما يجد مخطوطات لها علاقة بالعادات والتقاليد والحياة اليومية للطرابلسيين، وبالعلاقات بين سكان المدينة وأوضاع المسيحيين واليهود إجتماعياً وإقتصادياً وقانونياً، وعلاقة الأهالي بالتجار الأجانب، وكل ما يتعلق بالأوقاف، والحياة العائلية من طلاق وزواج وإرث، إلى مسائل التعيينات والوظائف الدينية والإدارية والعسكرية، والعائلات، ومشايخ الطرق الصوفية، وعلاقة طرابلس بمحيطها الريفي وتطور هذه العلاقة…الخ

لا شك أن هذه المعلومات تفتح مجالات جديدة للباحثين والطلاب لإعادة قراءة التاريخ الإجتماعي والإقتصادي والسياسي، وتفتح المجال لدراسات متفرعة عن هذه المواضيع مثل: الإدارة-الألقاب، الأسماء-الثقافة-الوظائف-الأشراف-تراجم الإعلام…

لقد بدأ الإهتمام بالوثائق والمخطوطات الموجودة في المحاكم الشرعية في دمشق وحلب والقاهرة وعمان منذ زمن، ونظمت العديد من المؤتمرات في سبيل الإستفادة منها، وما تمتلكه طرابلس من مخطوطات ومن ثروة في هذا المجال يضاهي ما هو موجود في تلك العواصم.

إن الباحث يقف فعلاً مذهولاً أمام جبل المعلومات والمعطيات المتضمنة في هذه المخطوطات التي تنتمي إلى الماضي الذي هو ماضينا، وبالتالي فإن معرفة الماضي التاريخي بشكل موضوعي تقود إلى فهم الحاضر، كما تنير آفاق المستقبل. لكن الماضي أو التاريخ ليس الأحداث الكبرى، بل الحياة اليومية المتواصلة عبر الزمن، والمتبدلة عبر التراكمات والمؤثرات المتداخلة، بل والمنقطعة عبر الإنعطافات الحاسمة. والإطلالة على كل ذلك ليست مهمة سهلة، فمهمة المؤرخ الإجتماعي والباحث الإجتماعي تتعدى وصف الأحداث إلى إستخراج تسلسلها المنطقي، وإعادة إنشاء صورة الماضي بأبعادها المتنوعة، وتحديد درجات حضور هذا الماضي في حاضرنا. وهذه مهمة تستدعي الجهد النقدي المُدقّق فضلاً عن التأريخي المُحقّق. إن هذه المخطوطات إلى جانب غيرها من التواريخ والمخطوطات الأهلية والوثائق الدبلوماسية وكتب الرحالة والرحلات المبعثرة هنا وهناك، يمكنها جميعاً أن تصحح نظرتنا إلى الماضي والحاضر بأبعاده المختلفة.

ولا يمكن أن نفعل شيئاً إذا ما بقيت هذه المخطوطات كماً متراكماً لا حياة فيها، لذلك كان هذا المشروع البداية والمنطلق لإحياء التراث الوثائقي والثقافي في المدينة. والذي أردنا من خلاله إتمام الفهرسة والتبويب وفق أحدث التقنيات وبإشراف فريق عمل أكاديمي متخصص ومدرب لكي تصبح المادة التاريخية المتضمنة في هذه المخطوطات بتصرف الباحثين والطلاب في طرابلس والعالم العربي والإسلامي، والتي سوف تعرض نتائجها تباعاً عبر حلقات نقاشية وندوات علمية ومؤتمرات متخصصة ومطبوعات متنوعة.

إن جهوداً كثيرة بذلت، وهي بلا شك مقدرة ومشكورة، للحفاظ على الإرث الثقافي في مظاهره الخارجية، كالأبنية التاريخية والمباني الأثرية الهامة، كالمساجد والكنائس والأسواق والخانات والحمامات والقلاع وغيرها، وهي على أهميتها وضرورة إستمراريتها وتطويرها، إلاّ أنها لا يجب أن تنسينا أن التراث الثقافي لا يختزل بمظاهره خارجية فقط، بل من حق هذا التراث علينا، أن نخرج كنوزه المدفونة ومخطوطاته المبعثرة، وأن نقوم بتحقيقها وجمعها وتبويبها وفهرستها وتقديمها في صورة علمية تليق بالفيحاء، وبما يجعل المباني الأثرية تتكامل مع المعاني الثقافية، والمظاهر الخارجية ناطقة بالمضامين الوثائقية والفكرية، فيحتضن الحجر ما أنتجه البشر من فكر وثقافة وأنماط حياة. هكذا تتكامل المباني والمعاني، والمظاهر والجواهر، وهذا هو البعد الحضاري لمشروع إحياء الإرث الوثائقي والثقافي لمدينة طرابلس.

إن انطلاق المرحلة الأولى يعني أنه لا يزال أمامنا مراحل أخرى تنتظر المزيد من الجهد والعمل، إلاّ أن إنطلاق هذه المرحلة من المشروع بالتعاون مع جمعية العزم والسعادة الإجتماعية يشكل حافزاً قوياً لنا الى المزيد من العمل والتعاون مع مثقفي طرابلس وفعالياتها وعائلاتها لانجاح هذا المشروع الحضاري الذي يحفظ تراث طرابلس الثقافي والوثائقي، فالمدن التي لا تحافظ على تاريخها وتراثها لا تستطيع أن تبني حاضرها ومستقبلها بجدارة.

المشرف على المشروع
ورئيس المركز الثقافي للحوار والدراسات
العميد الدكتور عبد الغني عماد