تراث طرابلس

التصنيفات
الصفحة الرئيسية

مجتمع النهر في طرابلس2

(الجزء الثاني من بحث “مجتمع النهر في طرابلس” لكاتبه الصحافي المرحوم طلال المنجد)

 

النهر ومياه الشفة

النظام القديم

   يعتبر عام 1935 حداً فاصلاً بين نظامين من استعمال مياه الشفة في طرابلس الأول قديم والثاني حديث.

   وحتى ذلك العام الذي أنتهت فيه أشغال وتمديد مياه نبع رشعين، كان النظام القديم هو السائد ويرجع تاريخه إلى عهد الكونت ريمون دي تولوز حاكم طرابلس في أيام الحملات الصليبية (توفي عام 1112م) حين أقيم سد فوق نهر رشعين قرب الموقع المعروف بالمرداشية ومنه شقت قناة ترابية بطول تسعة كلم تنتهي في الجهة الشرقية من قلعة طرابلس بحوض صغير علوه عن سطح البحر حوالي 32م وتتجمع فيه مياه القناة. هذا الابتكار شكل حجر الأساس لنظام مياه الشفة لطرابلس المملوكية حيث جرى توزيع مياه القناة إلى 72 فرعاً ويسمى كل فرع منها (قمرية) وكل قمرية تنقسم بعدئذ إلى 12 قسماً ويسمى القسم (شاهية) أي ما مجموعه 864 شاهية. ولا نملك معطيات كافية عن حقوق توزيع المياه في طرابلس العصر المملوكي ونرى في وقفية لجامع مملوكي… «ولهذا المسجد من الماء بحق واجب نصف وربع أصبع من قناة طرابلس».

   وفي العصر العثماني، تطورت شبكة توزيع المياه بحيث تنتهي القنوات الفرعية (الشاهيات) في بعض أحياء المدينة إلى خزان ثانوي يشبه البرج ويعرف باسم (قائم أو طالع) ارتفاعه من 10 إلى 12 متراً ويعلوه مقسم تتغذى منه خطوط الدار الخاصة.

   ونظراً لارتفاع خزان المياه بجانب القلعة أكثر من 30 متراً عن سطح البحر فإن ذلك سمح وفقاً للمبدأ الفيزيائي المعروف بالأوعية المتصلة بوصول المياه إلى الطبقة الثالثة من أي بناء يشاد..

   وهو ما شكل مصدر فخر للطرابلسيين بمائهم على ماء بقية المدن كبيروت ودمشق. ويعطي فكرة عن مدى التجريبية العلمية الفيزيائية في التعاطي باستخدام مياه الشفة في طرابلس في القرون الوسطى.

وكان السكان يتداولون بيع وشراء الماء فيما بينهم وسعر الشاهية الواحدة لا يقل عن 500 ليرة عثمانية ذهباً. وبسبب هذا الثمن الباهظ، عرفت طرابلس نظام احتكار الشاهيات حيث تخصص بعض الأشخاص في بيعها وشرائها وتحصيل أرباح طائلة من ذلك. ولم تكن ماء الشفة تصل إلى كل البيوت ولعل هذا ما يفسر وجود كثرة الأسبلة وبرك المياه العامة في مختلف أحياء طرابلس القديمة بحيث يصل عددها إلى ما يزيد على 20 سبيلاً وبركة بمعدل سبيل أو بركة لكل حارة أو محلة بالإضافة إلى ان كل قائم ماء كان يعتبر كسبيل تسيل ماؤه للعموم من أحد جوانبه.

   ولقد أعتبر على الدوام في طرابلس ان تسييل الماء من المآثر الحميدة للحكام والولاة والأشخاص.. حتى أننا نجد في وقفية فريدة وعائدة للعصر المملوكي صرف مبلغ معين للاستسقاء في جامع ومبلغ آخر ثمن ماء وثلج يصرف في يوم الخميس من كل أسبوع ويفرق بباب التربة إلى جانب توزيع الخبز..

    وفي المدينة الإسلامية عموماً، كان يتولى تسبيل الماء وتوزيعه على طالبيه «المزملاتي» الذي اشترطت فيه شروط جسمية وخلقية خاصة كأن يكون سالماً من العاهات والأمراض «وان يسهل الشرب على الناس ويعاملهم بالحسنى والرفق ليكون أبلغ في إدخال الراحة على الواردين وصدقة دائمة وحسنة مستمرة».

لم تعرف طرابلس مثلما عرفت بعض المدن الإسلامية كالقاهرة، طائفة ناشطة تقوم ببيع الماء كالسقائين رغم وجود بعض الأحياء والحارات لم تكن تصلها الماء كالرفاعية والقبة بل عرفت المدينة بعض الأفراد المتخصصين بنقل الماء على الدواب إلى هذه الحارات وبيعها عرفوا «بالمكارية» وعددهم ظل ضئيلاً. وسكان القبة كانوا يقصدون النهر لغسل حاجياتهم.