تراث طرابلس

التصنيفات
من علماء طرابلس

الشيخ محمد صلاح الدين كباره

الشيخ محمد صلاح الدين كباره

الاستاذ معتز مطرجي

 

   لم يحظَ كتابٌ في تاريخ البشرية بمثل ما حظي به القرآن الكريم من عناية ورعاية، كذلك في جمعه وحفظه ودراسة لغته وتذوق بلاغته وحسن روايته وقصصه.

وقراءة القرآن الكريم تعتبر فناً قديماً منذ عهد النبوة وهي مستمرة بالتواصل.

وورد عن الإمام الغزالي ما يلي: وتلاوة القرآن حق تلاوته هو أن يشترك فيه اللسان والعقل والقلب، فاللسان يرتّل والعقل يترجم والقلب يتعظ. وجاء عن الصحابي عبد الله بن مسعود قوله: جوَِّدوا القرآن وزيِّنوه بأحسن الأصوات واعربوه فإنه عربي والله يحب أن يُعرب به.

وكان الشيخ محمد صلاح الدين كبارة يقبل على قراءة القرآن بهدى هذه المعاني   مع موهبة في الصوت وحسن في الآداء، وكان الحافِظ العالِم بالقراءات الأربع عشرة، المجوّد، يعطي الحرف حقه في مخرجه، ويراعي لغة العرب من حيث قواعدهم في تدقيق المدقق وتفخيم المفخم وبالصيغة المتلقاة من أئمة القراءات المتواترة عن السيرة النبوية العربية الشريفة.

وكان الشيخ محمد صلاح الدين كان أبصر النور سنة 1921 في زقاق منور قريب من الجامع المنصوري الكبير وبعد خطوات من الرفاعية والعطارين من أحياء طرابلس التراثية العريقة، التي كانت تموج بكتل المؤمنين من العلماء والفقهاء وحفظة كتاب الله الكريم.

نشأ وترعرع في كنف والده الشيخ محمد علي يوسف كبارة أحد كبار المنشدين ومن أصحاب الصوت الجميل وضمن أسرة إيمانية كريمة.

تلقى مترجمُنا الجليل تعليمه الابتدائي في القسم الشرعي بدار التربية والتعليم الإسلامية، وحفظ القرآن على يد الحافظ الشهير الشيخ نصوح البارودي، ثم غادر الى القاهرة سنة 1941 متابعاً علومه الدينية في الأزهر الشريف، فأخذ القراءات على طريقة الشاطبيه والدّرة على يد شيخ المقارئ المصرية عامر بن السيد عثمان.

بعد عودته من مصر ونيله شهادة التجويد والقراءات هنّأه العلاّمة الشيخ عبد الكريم عويضه وأرّخ عودته على حساب الجمّل بهذه الأبيات:

يا ابن العلى المرتضى كبارة قد عدتَ من مصر بعودٍ أحمدِ

أتقنتَ آياتِ الكتاب بحفظه وجمعتَهُ عن خير هادٍ مرشدِ

أثنوا على الفيحاء فيك فأرّخوا حازت طرابلس ثناً بمحمد

في مطلع شبابه زاحم كبار المقرئين في مصر، فعيّنْته وزارة الأوقاف الإسلامية قارئاً في مسجد الفتح في سراي عابدين. وفي الأربعينات من القرن الماضي تعاقد مع الإذاعة الفلسطينية بالقدس، وتردد صوتُه الرخيم في أرجاء المسجد الأقصى المبارك، وقام بتسجيل قراءات مباركة للإذاعة الفلسطينية والأردنية كانت غاية في جمال الصوت وحسن الأداء، كما طاف في أنحاء العالم الاسلامي ولبّى دعوات رسمية في مكة المكرمة والدروس الدينية الحسنية في المغرب، واتحاد قراء العالم الاسلامي في باكستان، وكان عضواً في لجنة التحكيم الدولية في مسابقة القرآن الكريم في ليبيا وقام أثناءها بتسجيل المصحف المرتّل، ودُعي الى إيران وقرأ في مساجد اسطنبول وأنقرة وازمير.

وجاء في كتاب آثار طرابلس الإسلامية للأستاذ الدكتور عمر تدمري صفحات عن حياة شيخنا الجليل ومما ورد:

وفي سنة 1967 عاد الى مصر لتسجيل وطبع أسطوانات للقرآن والأذان والتسابيح، وحضرتُ معه أمسية في المعهد العالي للموسيقى العربية، وأنشد عدّة قصائد من مقامات مختلفة، كان يطلبها منه أساتذة المعهد وكبار الموسيقيين، وبينهم رئيس المعهد مصطفى نصر، فأجاد ونال الإعجاب التام، وحصل على شهادة من المعهد بأدائه وبراعته في الأنغام بدرجة امتياز.

كان عارفوه يستمتعون بطيب حديثه، وحسن معشره، ويتلمسون وقع كلماته الساحرة على الآذان، ولازال صوتُه العذب الشجي يتردد في مسمعي،وأدرك بين الآية والآية مبلغ الفقدان والخسارة والغياب، ولا يصيب القلب والعقل والأذن سوى الحسرة والصمت على غيابه، وقد أكرمه الله وتوفاه في العشر الأخير من رمضان سنة 1420 هجرية الموافق له آخر يوم من سنة 1999 ميلادية في خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم وفيه أُدخل الجنة وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة ألا يوم الجمعة كما ورد في الحديث الشريف، ومن الصدف المباركة أن رفوفاً من الحمام كانت تواكب جنازته في السماء الى مثواه الأخير، وقد رأيتُها بأم العين.

رحم الله الشيخ محمد صلاح الدين كبارة شيخاً مؤمناً وحافظاً للذكر عاملاً فيه وله.

 

التصنيفات
من علماء طرابلس

الشيخ عبد الرحمن الصوفي

الشيخ عبد الرحمن الصوفي

 

                                                              معتز مطرجي

 

     كان الشيخ عبد الرحمن مالئ عصره، بحضور مترع بالخصوبة والتألق في اللغة والشعر وعلم المنطق، فهو كثير في واحد، فمن أية جهة أقبلت عليه ترى منه المعرفة والأصالة والإلتزام الصارم بمذهب السنة والجماعة.

من هنا كان مترجمنا صاحب مدرسة على صعيد اللغة والشعر، وتعلقه بالطريقة الصوفية، وحسبي أن أشير في هذا الصدد الى مراسلاته الشعرية مع كبار أدباء عصره لا سيما صاحب كتاب طوق الحمامة وكاتب الامير بشير الشهابي عنيت به الشيخ ناصيف اليازجي، إذ قال في قصيدة:

بلغت مقاماً لم تنله الأوائل وحزت كمالاً تبتغيه الأفاضل

ولست براءٍ غير فضلك يرتجى لكل ملم فيه تدمى الصياقل

ولولاك لم تدر العلوم بأنها تجل وإن قد بان منها دلائل

الى أن يقول:

ويقصر باع الدهر عن وصف سيد له جُمعت في المكرمات الفضائل

إمام الهدى ارسلت للناس قائداً وهل غيركم يرجى وأنت المناهل

وكل مرام للأنام بغيركم له الليل وجه والنجوم أوافل

ورد عليها اليازجي بأبيات مدح فيها براعته وجودته، قال في مطلعها:

منازل عُسفان فدتكِ المنازلُ أراجعةٌ تلك الليالي الأوائل

وفي تقريظ لرواية المؤرخ جرجي ينّي “نكت العهود” قال:

نفيس لآل النيرات الثواقب تنظم عقداً في نحور الكواعب

وأسفر صبحاً جوهري نظامه ولاح كبدر التمّ فوق ترايب

بديع معانٍ نبهتنا رموزه على حسنه والحسن أعظم جاذب

تميس به تيهاً نشاوى وتنثني الى جرجي العلياء سامي المراتب

هو الدّرة الغرّاء والسدّة التي تمسذَك في أذيالها كل خاطب

   ولد الشيخ عبد الرحمن الصوفي الزيلعي سنة 1220 هـ الموافق لسنة 1805م على وجه التقريب، في مدينة طرابلس ونشأ وترعرع فيها، وتلقى دروسه على يد مشايخها، ثم سافر الى مصر، وبعدها عاد الى طرابلس وعيّن مدرساً للغة العربية في المدرسة الوطنية التي تأسست سنة 1294ه، وتخرج عليه عدد من الطلبة الذين أصبحوا فيما بعد من أصحاب المناصب الدينية والأدبية، ومنهم كما ذكر المؤرخ عبد الله نوفل عمه الشاعر والأديب أنيس بن عبد الله بك نوفل، ولما أقفلت المدرسة دخل سلك موظفي الحكومة وتقلد منصب القضاء في عدد من المدن العربية، ثم تولى إدارة الاوقاف الاسلامية في طرابلس. ويبدو من سيرة مترجمنا كما ورد في المصادر، أنه كان ينتمي للطريقة الصوفية القادريه، وكان يمنح الإجازات ويصادق على الإجازات الممنوحة لعدد من أتباع الطريقة، ومنها تلك التي منحها الشيخ إعرابي الزيلعي للشيخ علي حماده سنة 1842، كما هو مدون على نص تلك الإجازة، وقام بجمع أدعية الطريقة القادرية وأضاف إليها منظومة بأسماء الله الحسنى، ثم منظومة الإستغاثة وهي من 46 صفحة بالحجم الصغير أولها بعد الإستعاذة والبسملة: “الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن” وهي صلوات مرتبة على حروف المعجم.

عاش الشيخ عبد الرحمن الصوفي في القرن التاسع عشر ونال عدداً من الإطراءات لدوره الديني والإجتماعي، ومات مخلفاً ولده الشيخ ظهير الصوفي الذي كان أحد كتبة المحكمة الشرعية سنة 1918 عندما كانت برئاسة الشيخ منير المقدم، ولم يؤرخ أحد لسنة وفاته. رحمه الله.