تراث طرابلس

التصنيفات
من علماء طرابلس

الأستاذ ممدوح النملي

الأستاذ ممدوح النملي

       الاستاذ معتز مطرجي

 

     كان معاصرو المربي ممدوح النملي يسمعون ترديده الدعاء التالي: “اللهم اجعلني خيراً مما يظنون”.

وكانت العرب تقول للرجال المعطاء: لله دَرّك ما خرج منك من خير، فكان رحمه الله كثير العطاء، جمّ الأفعال، ارتبط اسمُهُ مع نشأة كلية التربية والتعليم الإسلامية، ومع جمعية الخدمات الاجتماعية، وهو ممدوح السيرة بين الناس، مُثنى عليه، فكان لاسمه معه نصيب.

برز ممدوح النملي كمربٍّ قدير من مربّي التربية والتعليم، وكرائدٍ من روّاد العمل الاجتماعي، ومن رجالات السياسة والاقتصاد، ذي ثقافة ومعرفة عالية، دمث الأخلاق، كريم النفس، نذر نفسه وحياته لخدمة طرابلس ولبنان، وبذل الجهود لترسيخ الحياة العلمية والاجتماعية في ضمائر وعقول النشء الجديد، لإيمانه العميق أن هذا النشء هو رجاء الأمة ومعقد آمالها في مدارج التقدم والنجاح.

ولد ممدوح النملي إبن الشيخ محمد علي النملي في طرابلس سنة 1905 ودرس في كتاتيب المدينة حيث كان التعليم في مطلع القرن العشرين مقتصراً على مجموعة من (الخوجايات) للإناث، والكتاتيب لتعليم الذكور، وكانت هذه تعلّم القرآن الكريم والصرف والنحو وبعض الحساب، ثم انتقل الى مدرسة الفرير وأنهى تعليمه الثانوي فيها، وتابع تحصيله العلمي في مدينة حمص لينال من الكلية الرشيدية الإجازة في العلوم والتجارة.

ومترجمنا ينتمي الى أسرة إسلامية معروفة في طرابلس، وللإسم جذور في التاريخ الإسلامي، فهو اسم أسرة عباسية برز منها أبو حسان النملي نديم الخليفة المتوكل جعفر بن المعتصم، والنملي أيضاً اسم موقع للماء وجبال كثيرة قرب المدينة المنورة كما ورد في معجم أسماء الأسر.

في الثلاثينات من القرن الماضي شهدت كلية التربية والتعليم الإسلامية نهضة مذهلة، ولاقت إقبالاً منقطع النظير عندما أُسنِدت الإدارة الى المربي الحاج رفيق الفتال، والنظارة العامة الى المربي الأستاذ ممدوح النملي إمتدت الى الستينات، واختارته الإدارة لتعليم آداب اللغة الفرنسية مع الاستاذ محيي الدين مكوك للطبيعيات والاستاذ نور النعنعي للرياضيات والاستاذ درويش التدمري لآداب اللغة العربية، وكان أحد المعلمين في مدرسة الفرير.

في سنة 1947 عيّن عضواً في المجلس البلدي ثم نائباً لرئيس البلدية أيام المحافظ سميح عكاري، وسنة 1950 تولى رئاسة البلدية المحافظ غبريال أسود، ثم استُبدل بالزعيم نور الدين الرفاعي، وكان مع الاثنين نائباً لرئيس البلدية. وسنة 1951 ترشّح للانتخابات النيابية، وفي سنة 1955 إشترك مع عدد من العاملين بالحقل السياسي في الشمال بتأسيس الكتلة المتحدة، من بينهم الأساتذة قبولي ذوق، سالم كبارة، محمد حمزة، مصطفى المقدم، وسليمان فرنجية. ومن أهداف هذه الكتلة المطالبة بحقوق طرابلس والشمال، وكانت معارِضة لسياسة الرئيس رشيد كرامي.

وفي بداية القرن الماضي، كان سكان طرابلس لا يتجاوز عددهم الثلاثين ألفاً، يقيمون بالأحياء المملوكية القديمة، وعلى ضفتي نهر “أبو علي” فوق الرابيتين المطلتين على المدينة وحولها سهل مليء بالأشحار الظليلة وبساتين الاثمار اليانعة من الليمون والبرتقال، وكان اقتصاد طرابلس في جلّه يعتمد على الحمضيات والزيتون ومشتقاتها، فرأى مترجمُنا بنظره الثاقب وتفكيره الواعي حاجة المدينة الى جمعية ترعى المصالح، فتنادى مع نفر من أهل الاختصاص والمالكين الى تأسيس “جمعية ملاكي الجنائن”، وانتخب رئيساً لها، وانتخب الحاج عبد الرزاق الحسيني نائباً للرئيس، ومن الأعضاء فوزي فتال وعبد الله معصراني وفايز المطرجي ومحمد إحسان شطح وغيرهم.

في سنة 1991 توفي الاستاذ ممدوح النملي، وشيّعته طرابلس بمأتم كبير، وأقيم له حفل تأبيني نشرت تفاصيله صحف طرابلس المحلية، ونشرت جريدة “صوت الفيحاء” لصاحبها الأستاذ رهيف الحاج بتاريخ 31 كانون الاول 1991 عناوين الاحتفال: “الحمد لله على ما أنجز وعلى ما تيسر عمله” “تكريم الانسان” و “محبة الناس لا تقدر بثمن” وتحدثت عن الفقيد فقالت: أستاذ الجيل الذي أرسى من تاريخه في منعطف المدينة الثقافي إحتراماً استقر به مشروع مأوى العجزة، ونما على مر السنين… مع نمو جمعية الخدمات التي امتدت بثقافة وإدراك مؤسسها لتستقطب المبادرات الدولية الإنسانية حتى غدت معلماً من معالم المدينة”.

ممدوح النملي في حفل تكريمه الأخير: الحمد لله على ما أنجز وعلى ما تيسر عمله والفضل في ذلك حتماً، كما كان يقول، الى الله الذي يبارك أعمال الخير، وفي الدرجة الثانية الى صفاء النية واستقامة الطريق.

رحم الله أبا علي جزاء عمله الخير، وترديده الدائم: اللهم إجعلني خيراً مما يظنون.

التصنيفات
من علماء طرابلس

الشاعرة ناديا نصار

الشاعرة ناديا نصار

الأستاذ معتز مطرجي

 

     كانت ناديا نصار من الشاعرات القليلات في حياة طرابلس الأدبية في منتصف القرن العشرين. فَتَنَها الأدبُ العربي الراقي فأقبلت عليه في مطالعات متصلة، متذوقة بنهم قوي، سحر شعراء العربية في العصور الذهبية، وراقَها أن يكون هذا التراث أثراً باقياً على الحياة، فانكبت على أسفار الأدب ودواوين شعره تلتهمها وتطالعها بعمق، حتى أصبحت وهي في حياتها الخاصة وتفكيرها الأدبي، عربية النزعة والميول، فتنتقي الكلمات وتصوغها كما يصوغ الجوهري قطعة من الحلي، ثم تعود فتسبك هذه الألفاظ في قالب من الشعر فتخرج منها أبياتاً وقصائد جميلة، موسيقية النبرات، رنانة الألفاظ، وتمتعت بشهرة واسعة لم تتوصل اليها سيدة أخرى في زمانها، وهذه المكانة مدينة بها إلى ثقافتها الأدبية ولحسن إلقائها الشعر في منتديات المدن العربية، ولقد صفّق لها الجمهور الأدبي وهو مأخوذ بموسيقى الكلمات، ووصفتها إحدى رفيقاتها بأنها متحف جميل مكوّن من عناصر جميلة، وأن فنَّها الشعري مثل روحها والحقيقة.

وشاعرتُنا مخلصة في حبّها لمجتمعها ووطنها ولصداقاتها وعلاقاتها مع الآخرين، تقف عند قولها، لا تتغير ولا تتحول عن أخلاقها النبيلة مهما تغير الناس.

وفي شعر ناديا نصّار تتجلى البساطةُ والصدق، ذاك أن الشاعرة اصطبغ شعرُها بصبغتها، ومن جميل ما أعطت وبديع ما أتت به قصيدتها بعنوان “شوق السلام”:

وأحب آفاق الحياة

مدى انتشاء وانعتاقْ

وأعيش في ظمأ القلوب

مع اللهيب.. صدى احتراقْ

وأطوف في شُعبِ الضلوع

الحانيات.. هوىً يُراق

وشفاً من الأحلام في

ليلى المريضة في العراقْ

خذني إليك عبر حبٍّ

منعشٍ، ولظى عناقْ

خذني إليك سماتِ وجدٍ

خالدٍ، ومدى انسياق

إلى أن تقول:

أأراك يا لبنان عُدتَ

وقد حنوتَ على الرفاق

وأراك بالإنسان لا خِدَعَ

الضمير ولا النفاقْ

فالبغضُ جوعُ الشرِّ

وهو يعيش من زرع الشقاق

وفي قصيدة السراب تقول:

كان عمري عذاب عمر وجيع

وحياتي مرّت بغير ربيع

وحياتي رماد ماضٍ تولى

ذاب في هيكل الأسى كالشموع

وحياتي دموع قلب شجيّ

ربَّ قلبٍ بكى بغير دموعِ

يا أساة الجراح عمري صقيعٌ

علِّلوني فقد يذوب صفيعي

أيعود الزمان؟ أسفح عمري

علّلوني… أما له من رجوعِ؟

كان دفءُ الحياةِ عندي سراباً

عطشي ظلُّ للسراب وجوعي

وجاء في ديوان الشعر الشمالي الذي أصدره المجلس الثقافي للبنان الشمالي سنة 1996 عن الشاعرة ناديا نصار ما يلي:

ولدت في طرابلس سنة 1934. تلقّت دروسها الابتدائية في مدرسة راهبات المحبة بطرابلس وأتمّت دراستَها الثانوية في كفرون رفقه.

درست في طرابلس أعمال السكرتيريا وعملت موظفة في شركة نفط العراق مدة 15 عاماً.

كانت عضواً في منتدى طرابلس الشعري وهي رائدة فكرة إنشاء الصالونات الأدبية.

شاركت في عدد كبير من الأمسيات الشعرية في طرابلس ودمشق واللاذقية وحماه وجبلة.

قدّمت شعراً في إذاعات الوطن العربي كما في بيروت والكويت. كتبت في الصحافة الأدبية كناقدة وبشكل خاص في مجال النقد التشكيلي.

نشرت ثلاثة كتب هي:

        ديوان: وجد تعرّى منشورات بعلبكي عام 1969.

– خطرات على ساحل المعرفة. كتاب وجداني نثري.

– ديوان زمن العشق بمساعدة اتحاد الكتاب العرب بدمشق.

– وهي عضو اتحاد الكتاب العرب بدمشق، ولها محاولات لإنشاء فرع له في طرابلس. توفيت في 11 نيسان 1994 بطرابلس.

التصنيفات
من علماء طرابلس

الشيخ عبد الجليل الُثنيني والطريقة المولوية

الشيخ عبد الجليل الُثنيني (السنيني)

 والطريقة المولوية

 

     الفقيه الحنفي المعروف بابن سُنين المولوي، ذكره المؤرخ الدمشقي محمد خليل المرادي، وقال عنه:

كان من العلماء المدرّسين الأفاضل، له مهارة في إستخراج المسائل وتصويرها بأوجز عبارة، وكتب حصّة على الدرر والغرر حَسَنة، لكنه اعجبه زيادة فهمه فتعلق بحبال العقل والخيال وترك ميزان النقل في تتبع الاقوال، وقال هم رجال ونحن رجال، وتعرّض بالاعتراض على الإمام محمد بن ادريس.

والسُنيني بضم السين نسبة الى قرية سنين من نواحي طرابلس، وذكر المؤرخ عبد الله نوفل في كتابه تراجم علماء طرابلس وأدبائها، ان آل المولوي العائلة المعروفة في طرابلس هي من سلالة الشيخ عبد الجليل، وأنه اطلع على حجتين شرعيتين تثبتان ذلك، وان جدهم الأعلى هو الامير حاج العالم الشهير من أصحاب التآليف الفقهية النفيسة، وهو جد الشيخ عبد الجليل.

نشأت الطريقة الصوفية المولوية كذكرى لصديق وأستاذ المؤسس الاول جلال الدين الرومي الشاعر الفارسي صاحب “المثنوي” المولود سنة 1207م واشتهر بالرومي لإقامته في مدينة قونية إحدى مدن الأناضول التي كانت تحت حكم الروم، وفي قونية كان أول ظهور للطريقة المولوية.

والمولوية تختلف عن بقية الطرق الصوفية بالفتل الذي يرجعونه الى ما قام به الخليفة الراشد أبو بكر الصديق من فتل أمام الرسول عليه الصلاة والسلام.

وأول مكان عُرف في طرابلس كانت تقام فيه حلقات الذكر، هو المدرسة الشمسية الواقعة شمال المدخل الرئيسي للجامع المنصوري الكبير، والذي يضم الآن أضرحة مشايخ آل المولوي، وتولى إدارة الحلقات الشيخ نظيف المولوي لينتقل بعدها الى التكية المولوية الواقعة في الجنوب الشرقي لقلعة طرابلس والتي عُرفت بتكية الدراويش، وذكرها الاديب الدمشقي المعروف بإبن محاسن صاحب الرحلة الطرابلسية والمتوفى سنة 1053هـ، والذي نزل فيها وقال ان شيخ المولوية آنذاك محمد افندي الرومي، وان مندوب السلطنة العليا قام ببنائها في مكان مشرف على الوادي الذي يجري فيه نهر ابو علي، وجعل لها وقفاً من الخزينة العامرة.

انتشرت الطريقة المولوية في أنحاء العالم الاسلامي، وكان يجري الانتخاب لتولي الزوايا من قبل أعضاء هذه الاسرة الكريمة لمشيخة القدس وحلب ودمشق، وكثيراً ما كان يتولى هذا المنصب أحد أفرادها. وتتميز الطريقة المولوية الى جانب الفتل باستعمال الشبّابة (الناي) الذي يشيع الأنين والأشواق فكانت موسيقى المولوية ذات شهرة عالمية يفد الى سماعها الناس من كل فج.

ذلك ان أهل الطريقة المولوية وغيرها من الطرق الصوفية يرون ان حسن الصوت من صفات الكمال الانساني، وان النغمة الحلوة ترّوح عن القلوب المحترقة بنار محبة الاله كما يعتقدون، ويعتبرون ان للموسيقى تأثيراً سحرياً على النفس، فهي علاج للكثير من الامراض، وهي وسيلة لترقيق الطباع.

ويذكر الدكتور عمر تدمري ان التكية المولوية حازت على إعجاب الرحالة الاوروبيين، وامتدحها الشعراء وتغنى بها الادباء، وأشاد بمزاياها علاّمة عصره الشيخ عبد الغني النابلسي في رحلته الى طرابلس سنة 1700م. وقال في التحفة النابلسية ان والي طرابلس دعاه الى المولوية ذات الاشجار العطرية، فجئنا اليها، فرأيناها كجنة النعيم وبها من الماء اللطيف البارد الذي هو شفاء لكل قلب سقيم وهي مرتفعة البنيان عظيمة الأركان تجري من تحتها المياه وهي اشبه ما تكون بالربوة في دمشق الشام، وأنشد النابلسي في المولوية قصيدة فيما يلي بعض منها:

المولويةُ جنةٌ في الحرِّ حيثُ الحرُّ نارُ

تزهو طرابلسًُ بها ومن الزهور لها إزارُ

يا حُسن واديها الذي كأسُ النسيم به يدارُ

ومعاطِفُ الاغصان قد مالت وأثقلَها الثمارُ

هي جنةُ الفقراءُ أهـ لِ اللهِ تمَّ لهم قرارُ

أو ما تراها جاريا تٌ تحتها الانهارُ

بعد وفاة الشيخ أنور بن فؤاد بن شاكر المولوي سنة 1963م توقفت المولوية عن إقامة الاذكار، اما الشيخ عبد الجليل فقد ظل آخر ايامه قعيد داره الى ان توفي سنة 1690م

التصنيفات
من علماء طرابلس

الشيخ جميل عدرة

الشيخ جميل عدرة

 

 

الأستاذ معتز مطرجي

 

من الرجال قلة إذا تحدثوا أنصت إليهم الناس، وإن تكلموا أرهفت إليهم الأسماع، وإن عملوا تركوا آثاراً في ضمير شعبهم.

في الخمسينات من القرن الماضي، كان الشيخ جميل عدره يلقي دروسه في العقيدة والحديث والتفسير في الجامع المنصوري الكبير بعد صلاة المغرب، كان رحمه الله خفيض الصوت، هادئ القول، يلفظ كلماته بتؤدة، بحيث يفهم السامع ما يعنيه دون جهد، كانت عيناه تغرورقان بالدموع عند ذكر الله، وقلبه يخشع بالإيمان عند الحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام.

نت أتابع دروسه وأنا فتى يافع.

الشيخ جميل عدره، عالم محدث، مرشد صادق، باحث منقب في القرآن والسنة عن الحقيقة وعن كل ما يصلح لهذه الامة، بعيداً عن الموروث من البدع والشبهات، متحرراً من الأساطير والخرافات، وهابي السيرة ، سلفي المنهج، أشترك مع الشيخ وهيب البارودي في إصدار جريدة البيان سنة 1911، ما لبث ان استقل بها، وكانت البيان منبراً حراً للثقافة العربية، ومناراً للعلوم الشرعية، وملاذاً لأصحاب الأقلام الحرة.

ترجم له الحاج فضل المقدم رحمه الله، ونشر هذه الترجمة في مجلة تاريخ العرب والعالم في نيسان سنة 1982، فقال:

… “وكان أشد ما يؤلمه ان يرى مجتمعه سادراً في جهالته، غافلاً عما تتمخض عنه دنيا العرب والإسلام من حركات إصلاحية وثورات تحريرية وبالأخص كبرى هذه الحركات وأبعدها أثراً في تاريخ الاسلام الحديث “الوهابية” أو ما كانت تبثّه الدولة العثمانية الخاضعة كلياً لقناصل الدول الاجنبية والدول الغربية، إذ كان من خبث الغرب الإستعماري الحاقد، ومن جهالة هذا الشرق الجامد، ان يجعل الاول بأسس المشرقيين فيما بينهم شديداً، يمدهم بالسلاح ليحارب بهم كل إصلاح.

أما المؤرخ الدكتور عمر تدمري أحد تلامذة الشيخ جميل فقال:
هو الشيخ الفاضل، الواعظ، المدرّس، الفقيه، أخذت عليه دروس الفقه الحنفي في القسم الشرعي بكلية التربية والتعليم الاسلامية سنة 1956 وكان يملي علينا من حفظه، ويكثر الامثلة لإثبات المسائل الفقهية وخصوصاً في تدريس مادة “التوحيد” في كتاب الجوهرة، وكان ديّناً ورعاً صالحاً رحمه الله.

ولد الشيخ جميل عدره في طرابلس سنة 1872، أبوه الشيخ عبد القادر رجل الدين الزاهد، التقي المنقطع الى العبادة.

دخل مترجمنا الكتّاب وتلقى علومه الاولى فيه على عادة الطلاب في ذلك العهد، ثم في المساجد، على كبار العلماء، والتحق بمدرسة (مشحة – عكار) العالية التي أنشأها المحسن محمد باشا المحمد، وأهداها السلطان عبد الحميد الثاني مكتبة قيّمة، وكان من مشايخه فيها العلاّمة الشيخ محمد إبراهيم الحسيني والشيخ سعيد اليمني وغيرهما من جلة العلماء، ثم عاد الى طرابلس والتزم بدروس الشيخ أمين عز الدين، وهو من كبار العلماء والادباء.

عيّنته (نظارة المعارف) عام 1920 معلماً في المدرسة السلطانية (الجديدة اليوم) وظل فيها حتى 1931 وانتقل بعدها الى دار التربية والتعليم الاسلامية وهو رئيسها، ويصبح استاذ الادب العربي فيها، وأنشأ القسم الشرعي، وتولى تدريس العلوم الشرعية واللغوية، وظل فيها حتى توفاه الله عن تسعين عاماً سنة 1962.

ولم يقتصر نشاط شيخنا على التربية والتعليم وإنشاء المجلات بل تعداها الى الجمعيات الخيرية والعلمية والاجتماعية، وقام بإمامة المسجد المنصوري، والخطابة في جامع أبي سمراء، والتدريس في مدرسة الحبّاك القريبة من مسكنه، فانتسب في مطلع شبابه الى الجمعية الخيرية الإسلامية التي كان يرأسها العلاّمة الشيخ علي رشيد الميقاتي، وفي عام 1921 تنادى ونفراً من كرام العاملين معه، وفي طليعتهم المرحوم الحاج رفيق الفتال لتأسيس (جمعية إسعاف المحتاجين وملجأ الأيتام الاسلامي) وعندما توقفت هذه عن العمل استعيض عنها بولادة الجمعية الخيرية الاسلامية وإسعاف المحتاجين سنة 1930 والتي تضم كلية التربية وما زالت قائمة حتى الآن. رحم الله شيخنا الجليل الذي كان حريصاً على أمور دينه، وتأدية الواجب في سبيل خير بلده وأمته حتى آخر رمق من عمره الطويل.

التصنيفات
من علماء طرابلس

الحاج سميح مولوي

الحاج سميح مولوي

 

الدكتور عمر تدمري

 

    الحاج سميح المولوي ذلك القلب النابض بالإيمان، والذي كانت شخصيته مبنية على فلسفة الأخلاق والقيم، انعكاساً لاعتقاداته الدينية، فقد كان رحمه الله تقياً ملتزماً أمور دينه، وهموم مجتمعه، وقضايا بلده ووطنه، كان عقلاً راجحاً في تقييم الأمور والمشكلات، قانعاً مترفعاً، لم تهزه بهرجة الدنيا، ولم يسع إلى ثروة وسلطة، كان في نفسه أغنى من أي صاحب ثروة، وأقوى من أي ذي سلطان، وأرفع من أي صاحب جاه، كان مثالاً للإنسان الذي يحمل قيمته في ذاته معرفة ونزاهة وأصالة، كانت نفسه كبيرة فتعب في مرادها جسده، وكأنه يتمثل بما قاله شاعر العربية:

     وإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام والمقياس الوحيد الذي يقيس به تقدم المجتمع هو القدرة على تحمل المسؤولية، ومن هذا المعيار كان الحاج سميح من أقدر الناس على تحمل المسؤولية.

     في شخصيته شيء كثير من شخصيات طرابلس التاريخية، شيخ مؤمن، معلم تربوي واجتماعي، أقرب ما يكون إلى الإيمان المبني على العقلانية وسيرة السلف الصالح من أهل السنة والجماعة، وانحيازه الكامل إلى حب الله، لهذا لم يكن حبه لله يتجزأ، كانت إحدى عينيه على السماء والأخرى على المستضعفين في الأرض، وهذه الصيغة التراحمية التي بمقتضاها يفتعل الانسان الصالح المناسبة ليعين ذا الحاجة.

 

 

ولادته

    ولد سميح المولوي في طرابلس في البلدة المملوكية القديمة بمحيط الجامع الأثري سيدي عبد الواحد سنة 1909، والده الشيخ كامل المولوي ووالدته السيدة سلوى محي الدين شقص.

    وآل المولوي من الاسر الاسلامية المعروفة، والمولوي عربي منسوب الى المولوية، وهي طريقة صوفية اشتق اسمها من مولانا، وهو لقب أعطي الى مؤسس الطريقة جلال الدين الرومي (المتوفى سنة 1233 م)، والمعروف ان أتباعها كانوا يقيمون حلقات الذكر والرقص على توقيع آلات الطرب، والمقول ان ابناء أسرة المولوي في طرابلس من سلالة العالم الشيخ عبد الجليل السنيني، وفي هذا يقول المؤرخ عبد الله نوفل انه اطلع على حجتين شرعيتين تثبتان صحة ذلك، وأن جدهم الاعلى هو الامير حاج العالم الشهير ومن اصحاب التآليف النفيسة الفقهية، واول من تولى مشيخة مولوية الدراويش الشيخ مصطفى المولوي المتوفى سنة 1808 م، وكان يجري انتخاب مشيخة القدس وحلب من قبل هذه الاسرة.

اما آل شقص اخوال الحاج سميح، فهم احفاد الامير عيسى بن عمر البرطاسي صاحب الجامع الاثري المعروف باسمه كما ذكر المؤرخ الدكتور عمر تدمري، والذي يضم اجمل محراب في مدينته طرابلس، وكلمة شقص تعني بالعربية: النصيب والسهم والقطعة من الشيء.

     وقد توفي والدا الحاج سميح خلال الحرب العالمية الاولى، فنشأ يتيم الأبوين وتعهده عمه الشيخ عارف المولوي، وتربى في داره الكائنة في حي النوري الملاصق للجامع المنصوري الكبير، وكانت دراسته الابتدائية في المدرسة السلطانية (الجديدة فيما بعد)، وفي سنة 1924 انتقل الى المدرسة العلمية القائمة بجانب مقهى التل العليا بإدارة المرحوم سعد الله سلطان، ومن اساتذتها الاستاذ نور النعنعي، الشيخ نديم الجسر، الشيخان محي الدين الخطيب وفخر القاوقجي.

     دخل دار المعلمين في بيروت سنة 1926 بتوجيه من وزير المعارف آنذاك الشيخ محمد الجسر، ثم انتقل الى المدرسة العلمانية الفرنسية وتخرج منها سنة 1929، بعدها عُين مدرساً في المدرسة الجديدة تحت ادارة الشيخ كاظم الميقاتي.

    في العام 1935 تزوج من السيدة غانية ابنة عمه الشيخ عارف المولوي، وقد جلها القدر في عزّ الصبا فتوفيت سنة 1946 ورزق منها بأربع بنات، ورفض من بعدها الزواج وتفرغ لتربية بناته فكان لهم الأب الصالح والأم الرؤوم، وأصبح راهباً وعلى رأسه طربوش أحمر.

     الحاج سميح طويل القامة، وديع القسمات، على شيء من الحدة في المخالفات، عينان متقدتان، تشهدان بالنجابة والالمعية، لكن الشيخوخة في آخر أيامه سطت عليهما وأخذت بعضاً من البريق المتألق الذي تتلمسه مع ذلك في المعاني والكلمات، سائحاً بلطائف الأفكار المغلفة دائماً بالنقد السليم الذي لا يجرح بقدر ما يبلسم.

مهماته الوظيفية

     بعد تخرجه سنة 1929 عُين مدرساً في المدرسة الجديدة ثم نقل الى مدرسة النموذج، وفي سنة 1949 أصبح مديراً لمدرسة لقمان في باب التبانة، ثم نقل سنة 1951 مديراً في مدرسة الحدادين، واقترح على وزارة التربية استبدال اسم مدرسة الحدادين الى مدرسة الغزالي (الامام المتصوف الذي لقب بحجة الاسلام) واستمر فيها مديراً حتى تقاعده سنة 1971 حيث منح وسام المعارف في احتفال كبير.

مواكبته للجمعيات

    في الاربعينات من القرن الماضي انتسب الى جمعية مكارم الاخلاق الاسلامية كعضو عامل، وكان أول رئيس لهذه الجمعية سنة 1939 الشيخ علي شيخ العرب، ثم تسلم رئاستها الشيخ صلاح الدين ابو علي رئيس البعثة الازهرية سنة 1942، ورافق الشيخ صلاح بجولاته في المدينة لجمع التبرعات، وبعد رجوع الشيخ صلاح الى مصر انتخب المحامي عبد الغني سلطان رئيساً للجمعية، وبعد سنتين انتخب الحاج سميح مولوي رئيساً طيلة ثلاثة عقود،وعندما أخذت الشيخوخة منه منالها، أصبح الرئيس الفخري، وانتخب معالي الاستاذ عمر مسقاوي رئيساً لجمعية مكارم الأخلاق الإسلامية.

     وفي الستينات سعى مع مجموعة من رفاقه وزملائه من أبناء طرابلس الى إنشاء مدرسة نموذجية تكون بعيدة عن السياسة والاحزاب وتعتمد على الكفاءة العلمية والقيم الأخلاقية في تعيين المعلمين والمعلمات، وتُبنى داخل أرض الفيحاء، فكانت مدرسة الروضة وجامع الروضة، وفي سنة 1988 كانت الفترة الأولى لعقد الشراكة قد مضت بين جمعية مكارم الاخلاق وجمعية رعاية الاطفال النسائية برئاسة السيدة علية ذوق، وتم تجديد عقد الشراكة الذي ينتهي في العام 2013، وتوسعت الروضة وتشامخت وأصبح لها فروع ومجلس أمناء يقوم برعاية هذا الصرح التربوي الكبير، ويسجل أهل طرابلس لهذه المؤسسة الناجحة، النهج السليم الذي تتبعه في الانفتاح على التطور الحديث مع الاحتفاظ بالأصالة الموروثة، ولا بد من التنويه الى الدور النهضوي الذي يضطلع به المدير العام الاستاذ محمد رشيد ميقاتي والذي يتمتع بمؤهلات إدارية وأكاديمية ومزايا أخلاقية تؤهله لحسن الإدارة.

    وخلال الحرب الأهلية الدامية التي كسرت القلوب وفتتت العقول، كانت المستشفى الإسلامي بطرابلس ترزح تحت ضائقة مالية شديدة لاستقطابها العدد الأكبر من المصابين والجرحى من كل المناطق ومن كل الفئات، مما اضطر مديرها النائب والنقيب الاستاذ عدنان الجسر رحمه الله الى اطلاق نداء استغاثة لتقديم المساعدات الضرورية للمستشفى، واستجاب رجل المروءة والمهمات الصعبة الحاج سميح لهذه الصيحة وتوجه الى بعض دول الخيلج بتكليف من إدارة المستشفى لجمع التبرعات من الطرابلسيين واللبنانيين، ومن حسن حظي وجودي في تلك الفترة بالرياض، وقد رافقته في كل زياراته الى ابنائه وطلابه ومحبيه وقدموا المساعدات كل على قدر سعته، وبهذه المساعدات وغيرها من أصحاب الاريحية تابعت المستشفى تقديم خدماتها.

     أما بعد، لعل الوفاء والحب يحدونا أن نقول الكلمة التي تملك الغلبة، لقد كان تأثير الحاج سميح المولوي عميقاً في المجتمع الطرابلسي، ورغم مرور ست سنوات على رحيله الا انه بقي في ذاكرة أبناء الفيحاء، لان وجوده كان يعطي للحياة الألق الممزوج بالإيمان والكبرياء، لانه واحد من جيل عملاق هو في تقدير التاريخ أميز أجيال طرابلس، الجيل الذي أعطى للوطنية والتربية والتعليم والثقافة الدور والضوء والسمو.

نفتقد الحاج سميح ونعب من ارث مكارم الاخلاق والوفاء الذي خلفه.

اجزل الله لك المثوبة والاجر على ما قدمته لبلدك ووطنك من عطاء موفور مذخور.

 

التصنيفات
من علماء طرابلس

الشيخ محمد نجيب الزعبي

الشيخ محمد نجيب الزعبي

 

هو واحد من دوحة الامام عبد القادر الجيلاني، أحد حفدة الرسول عليه الصلاة والسلام.

تقي ورع، رحب الصدر، عالي الهمة، خطيب مفوه ذو لسان فصيح، عالم فقيه، مرجع في حل المعضلات الدينية، مُبسط للأمور الشرعية كان واقفاً على منهج السلف الصالح وفق مذاهب أهل السنة الأئمة الأربعة، وكان أكثر الشيوخ نشاطاً وتدريساً في الحقبة التي عاش فيها، وقد طبقت شهرته الأنحاء فوفد اليه الطلاب من كل الجوار ينهلون من معين علمه وسعة معارفه.

وكان رحمه الله بهي الطلعة، جميل المحيا، كثيف اللحية، وقوراً مهاباً قدس الناس سيرته، ولعل أهم الاسباب اتصال نسبه بالرسول الأمين، وسلوكه القويم وإيمانه العميق.

صوفي مريد، سلك طريق أجداده، وفهم الصوفية كترويض للروح وتنزيه للسان وحفظ للجوارح وآداء للفرائض، وكانت زاويته معروفة في محلة السويقة ملتقى العلماء، ورجال الدين والعبّاد، وكان يعارض استعمال المزاهر وضرب الشيش أثناء حلقات الذكر، ذكره العلامة الشيخ يوسف النبهاني في موسوعته: جامع كرامات الأولياء (الصادر سنة 1329 هـ والذي طبع بمطابع دار الكتب العربية بمصر) كما يلي: أحد أكابر العلماء الأعلام، وسادات الأولياء الكرام وصاحب كرامات كثيرة، وقد أورد النبهاني عدداً من هذه الكرامات عمن شاهدها من الثقاة وعُدّت من الخوارق.

اما المؤرخ عبد الله نوفل فقال عن الشيخ نجيب في التراجم انه علم من أعلام العلم والفضل، وسرد الكثير عن تاريخ حياته.

ولد محمدنجيب في طرابلس سنة 1190 هـ على وجه التقريب، وتربى بعناية في كنف والده الشيخ عبد الفتاح الزعبي الكبير وأخذ عنه تعلقه بالله وحب رسوله، تلقى علومه الأولى في كتاتيب طرابلس كعاده أهل البلد في ذلك الحين، ثم سافر الى أرض الكنانة والتحق بالأزهر، فأتقن العلوم الفقهية واللسانية على مختلف المذاهب، وعاد الى بلده فتعين خطيباً في الجامع المنصوري الكبير سنة 1229 هـ بعد وفاة الشيخ عثمان خضر آغا زاده، وكان يصعد المنبر لإلقاء خطبة الجمعة حاملاً سيفاً أثرياً كعادة خطباء الجوامع في المدن الإسلامية التي فتحت قسراً، كما كان يعطي الدروس الدينية، ومن أشهر طلبته الشيخ عبد الغني الرافعي الذي تولى الإفتاء فيما بعد، والشيخ أحمد محمد سلطان قاضي الشرع في طرابلس والذي أصبح حاكماً بعد اعفاء مصطفى آغا بربر، والشيخ امين محمد سلطان وغيرهم.

ترك مترجمنا بعض الآثار المكتوبة من الشروح والحواشي والخطب. وذكر المؤرخ الدكتور عمر تدمري ان الشيخ نجيب كان وكيلاً لحاكم طرابلس مصطفى آغا بربر في دعوى منازعة حول ملكية أرض في ناحية الكورة وذلك أمام القاضي الشيخ ابراهيم السنوسي سنة 1248هـ.

والزعبي اسم أسرة من الأسر الإسلامية المنتشرة في العالم الاسلامي والتي تعرف أيضاً بالجيلاني والكيلاني، وكلهم من أصول واحدة يعود نسبها الى الشيخ عبد الرزاق عبد القادر الجيلاني، وكان عبد الرزاق قد نزل دمشق بعد وفاة والده، وتوفي عبد الرزاق بدمشق ودفن فيها وتوزع أبناؤه في شتى أنحاء العالم الإسلامي، في سوريا ومصر، وحلّ قسم منهم منطقة عكار وتلكلخ وحصن الأكراد، وما لبثت هذه الأسرة أن نالت مكانة دينية مرموقة بين الناس وتولى أحد أفرادها منصب الإفتاء بعكار، وتجدر الاشارة الى أن منصب الافتاء أنشئ سنة 1570م. واقامت هذه الأسرة الزوايا العديدة ونشروا الطريقة القادرية، وكانت حلقات الذكر تفتتح بتلاوة من القرآن الكريم ثم المدائح النبوية، فالذكر بكلمة التوحيد( لا إله إلا الله) وبأسماء الله الحسنى، تارة بالقلب وأخرى باللسان حتى يجتمعا عليه، ومرة بين القلب واللسان، وكل مريد يجلس في مكان محدد له، ويتمايلون يمنة ويسرة حتى اذا سيطر عليهم الوجد وهو حال من الشعور الخفي وهو بدء النشوة في الكيان، وقفوا بشكل حلقة في وسطها شيخهم فيدورون حوله ويحركون رؤوسهم مع استمرار الذكر والحادي يحدوهم بالمدائح النبوية والتضرعات الإلهية، بعد ذلك يرتاح المريدون فيما يتولى شيخهم الدعاء، ويختتم الذكر بتلاوة فاتحة الكتاب.

التصنيفات
من علماء طرابلس

الشيخ علي العمري

 

الشيخ علي العمري

 

الدكتور عمر تدمري

 

    صاحب الكرامات الباهرة التي شهد له بها أهل طرابلس بإجماعهم، واعتبر اشهر أولياء عصره وأكثرهم كراماتٍ وخوارق عاداتٍ، وله المناقب المأثورة التي تواترت رواياتها على ألسنة الثقات من المعاصرين وعايشوا تلك الكرامات التي جرت له في اللاذقية و بغداد واستانبول وبيروت وطرابلس منذ صباه، وهو دون العشرين من عمره.
ومن المصادفات الطيبة أنه ولد في عهد السلطان العثماني عبد الحميد الأول، وتوفي في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، فكان حميداً في ولادته وفي وفاته.

قد أطال الله بعمره فعاش مئة وثلاثة وعشرين عاماً ليطول أمد كراماته ويشيع خيرها وينتشر ذكرها. وهو طلب في إحدى خلواته بجامع “البرطاسي” بطرابلس أن يمنحه الله تعالى حالة الظهور، فأجيب الى ذلك، وانتشرت كراماته واذيعت بين الملأ حتى أضحى أكثر الناس ظهوراً، وأكثرهم ذكراً في طرابلس، بل في بلاد الشام كلها. ورحل الى بغداد لزيارة ضريح سلطان الأولياء الشيخ عبد القادر الجيلاني، فسار ماشياً على قدميه فزار الضريح وقرأ عنده ما تيسّر من القرآن، وعاد الى طرابلس ماشياً، وروى له الشيخ يوسف النبهاني عشرات الكرامات في كتابه”جامع كرامات الأولياء”. وعنه ينقل الشيخ محمد كامل البابا في كتابه الخاص بعنوان “كرامات الشيخ علي العمري” ، ومن ذلك: مداواة رجل مريض بإطلاق الرصاص عليه وشفاؤه في الحال، وحمله حصاناً والصعود به 74 درجة.

وإملاء كيس فارغ بالنقود أمام جمع غفير، وتحويل قطرات من ماء البحر الى دراهم، وضرب الجدار بالقدح والتصاقه به، وحلق شعر إنسان بعود صغير من القش، وفتح الأبواب المقفلة بالحديد بمجرد لمسها، وإحضار فاكهة الشتاء بالصيف وفاكهة الصيف بالشتاء، وكتابته العربية والفارسية وهو أمي لم يتعلم الكتابة في حياته، وقوته وهو في التسعين من عمره بحيث لم يستطع اثنان من اقوياء المدينة أن يحركاه من مكانه وكأنه صخرة عظيمة.

أكتسب محبة الناس واحترامهم على إختلاف طوائفهم، وكان موقراً من الكبار والصغار، وإذا خرج من بيته خف اليه الناس مسلمين ونصارى لتقبيل يديه وخدمته والتبرك به.

كانت كلمته مسموعة مطاعة لدى كبار المسؤولين في بلده يسرعون لتلبية طلباته بمجرد الإشارة مع كرمه الزائد وجوده على الفقراء والمحتاجين، وكان ينفق مما يضعه زائروه تحت سجادته من غير حساب، وعندما مات لم يترك شيئاً يذكر من المال رغم كثرة العطايا التي كانت تأتيه.

وعندما شيّع جثمانه الى مقبرته المعروفة باسمه في ظاهر باب التبانة مشى جميع أهل طرابلس من مسلمين ونصارى خلف نعشه يبكونه ويودعونه بالدموع.

لقد كان الشيخ علي العمري رحمه الله، ملء السمع والبصر في حياته وبعد مماته لعدة عقود، والناس تتداول كراماته ومناقبه وأعماله الخارقة، حتى نوه به الباحثان رفيق التميمي ومحمد بهجة في كتابهما الشهير “ولاية بيروت” بل تحدث عنه العالم الجليل الشيخ “محمد رشيد رضا” في كتابه “المنار والأزهر”.

وبجوار ضريح الشيخ العمري دفن علامة طرابلس في عصره الشيخ محمد بن إبراهيم الحسيني الطرابلسي السندروسي، المتوفى سنة 1359هـ/ 1940 م.

 

 

التصنيفات
من علماء طرابلس

الشيخ كمال الدين الادهمي

الشيخ كمال الدين الادهمي

 

الأستاذ معتز مطرجي

 

      كان الشيخ الوقور كمال الادهمي منهوماً بقراءة القرآن، يحفظه ويقيم حدوده، تتلمذ على يد نخبة من علماء طرابلس، فأخذ عنهم العلوم الشرعية والعقلية، انكب على الدرس والمطالعة وأولع بلغة الضاد، فغرف من ينابيعها ولم يرتو، نظم الشعر وبرع فيه، وجارى كبار الشعراء، فخمّس لامية ابن الورى، أرخ لشيوخ الفيحاء الذين عاصرهم، اجتهد بالتأليف حتى بلغت كتبه الخمسين، وصفه استاذه العلامة الشيخ عبد الكريم عويضة رحمه الله واعتبره احد النوابغ. نصبوه خطيباً لأكبر جوامع الاستانة ومدرساً للغة العربية في مدارس دار الخلافة باستنبول.

هو ابو عبد الرحيم محمد كمال الدين ابن الحاج محمد بن عبد القادر علي الحسيني الادهمي، ولد في طرابلس سنة 1878 م ، ودخل المدارس التي كانت قائمة في ذلك الحين، فتعلم فيها ما كان يدرس من علوم وفنون ولغات، وقرأ على مدرسي الجامع المنصوري الكبير لا سيما العلامتين الشيخ عبد الكريم عويضة والشيخ عبد اللطيف نشابة، وقرأ على غيرهم في طرابلس والبصرة ومكة واستنبول والقاهرة، ثم دخل سلك التعليم في الدولة العثمانية وكان مدرساً في المدارس السلطانية، وانتدب عضواً في عدة لجان بوزارة المعارف، وعندما تبدل شكل الحكومة العثمانية وجاء كمال اتاتورك جردوه من مناصبه وأداروا له ظهر المجن، واخرجوه من الاراضي التركية تعصباً لانتمائه العربي، فهضموا حقوقه وضيعوا عليه خدمة خمس عشرة سنة.

عاد الى طرابلس وعيّن اماماً في جامع التل واشتهر بإطالته في صلاة العشاء فأرسل اليه استاذه الشيخ عويضة هذه الابيات:

وقالوا: كمال قد أطال صلاته صلاة العشا بالناس في جامع التل

فقلت لهم: حاشا يطيل زيادة على قدر ما قد صح عن اشرف الرسل

فأمَّ وخفف يا كمال مراعياً فذلك عنوان على الفضل والعقل

وقد أجابه الشيخ كمال بأبيات لم نقف عليها كما ذكر الدكتور عمر تدمري في موسوعته.

سافر الشيخ كمال الى مصر سنة 1925 واستخدمته الحكومة المصرية في قسم المحفوظات التاريخية بديوان جلالة ملك مصر والسودان، ومنح الجنسية المصرية بعد عشر سنوات.

وعلى ضوء بصره المودع في مشكاة قلبه، اضطر الى الاقلال من مخالطته للناس إلاما تدعو الحاجة اليه، وقد استفادت المكتبة الاسلامية من عزلته هذه فيما ألف من جملة من الكتب الكثيرة في مختلف المواضيع ولسان حاله يقول:

حال الفتى لا يلزم اختباره

إن الجواد عينه فراره

وفي تخميسة جارى فيها أمير الشعراء أحمد شوقي والشيخ عبد الغني الرافعي عندما حاكا ميمية الشاعر المصري البوصيري الذي اشتهر بقصيدة البردى، فخمس مترجماً قائلاً:

أما والهوى لولا لهيبٌ بأضلعي

يثور ولا تطفيه زفرات أدمعي

لما كنت الا في المحبة مدّعي

ولا كان وجدي وجدَ صبَّ مُولّعِ

وفي تقريظ لاحد كتب الشيخ كمال، نظم ابو المعالي الشيخ عبد الكريم عويضة هذه الابيات:

قد قام تلميذنا عنا باحسن ما

نقوم نحن به من خدمة الدين

وفي الدعاية للقرآن ما طلبت

من الاجادة في جمعٍ وتبيين

فجاء نوراً على نور مؤلفه

هذا بما فيه من درسٍ وتلقين

فإننا في اشد الاحتياج له

لا سيما صاح في ذا الوقت والحين

جزى الاله كمال الدين مكرمة

له بها خير تثبيت وتمكين

وذكر الدكتور هشام نشابة في مجلة تاريخ العرب والعالم في معرض بحثه “طرابلس مدينة الآثار والعلماء” ان لديه مخطوطة يحفظها للشيخ كمال يترجم فيها عشرين عالماً عاصرهم وتلقى العلم عنهم، ويتابع فيقول: هو خير من أرخ لعلماء طرابلس.

رحل كمال الادهمي سنة 1951 في القاهرة بعد ان قضى خمس عشرة سنة تاركاً وراءه كماً ثميناً من الابحاث والتوجيه في الوعظ والارشاد تترجم عن قدر علمه وتعبر عن درجة معرفته وفرغ فيها وسعه واجتهاده.

لقد تأصل مترجمنا في طرابلس وعانق الاستانة وشغف حباً بالقاهرة، انه عابر في الحياة ظمئ للعلم.

 

 

التصنيفات
من علماء طرابلس

الشيخ عبد الحميد الخطيب

الشيخ عبد الحميد الخطيب

 

الأستاذ معتز مطرجي

 

   الخطيب في اللغة إمام الجامع الذي يقوم بالخطابة فيه، والخطابة فن ادبي نثري غايته التأثير والاقناع، وللشيخ عبد الحميد الخطيب اسم على مسمى.

كان إماماً في علوم اللغة والدين، عُرف بفصاحة اللسان وبلاغة البيان، ومنطق الكلام الحسن، هو الحجّاج بمعنى صاحب الحجّة القوية والوضوح في اظهار المقصود، يُفصح لسانه عن كُنه ما في قلبه، وجاء في الحديث الشريف: إن من البيان لسحراً، ويعني ان بعض البيان يعمل عمل السحر لشدة فعله في سامعه وسرعة قبول القلب له كما جاء في لسان العرب. وقديماً قيل: أعطوني لسان خطيب واحد وخذوا ألف مقاتل، ومترجمنا كان من الفهم والذكاء ما جعله يتمتع بكل هذه الصفات.

الى جانب ذلك ذكرت المصادر التاريخية انه كان ذا عقل راجح وأخلاق سمحة وعلم غزير،سريع الخاطر في نظم الشعر، لا يتكلف ولا يتصنع في أجواء من العفوية الجذابة، ازهري الدراسة صوفي شاذلي الطريقة، وصفه العلامة الشيخ حسين الجسر بالمرشد الكامل وبمربي المريدين في مشيخة سجادة علي أبو الحسن الشاذلي الذي ينتهي نسبه الى الحسن بن علي بن ابي طالب رضي الله عنهم. ولد عبدالحميد أبن الشيخ يوسف بن اسماعيل الخطيب في طرابلس سنة 1848، وأخذ علومه الأولى على مشايخها، ثم توجه الى الأزهر الشريف حيث أتم دراسته في علوم اللغة والفقه، وعاد الى مسقط رأسه ليقيم حلقات التدريس حيث تخرج على يده كثيرون أصبحوا فيما بعد من العلماء ومن أصحاب المناصب الدينية في المدينة منهم اخوه الشيخ محي الدين الخطيب الذي تولى التدريس والخطابة في جامع الاويسية القريب من قلعة طرابلس.

ويروى أن محمد باشا المحمد قام بإنشاء مكتبة ومدرسة في قرية مشحة العكارية تعزيزاً لنشر دور العلم والتربية، فنظم قصيدة في مدحه، هذا مطلعها:

أماناً فارس العليا الأمانْ

جوادك لا يرد له عنان

اذا جردت ماضي العزم يوماً

فما أحد يقوم له سنان

ملكت الفضل في جدٍّ وجد

فَخَرْتَ السبْق في يوم الرهان

وكم مشكاة فكرك قد أضاءت

فاظهرت الحقائق للعيان

خيال الوهم ليس له مجال

بآراءٍ بكم يوم الطعان

روى عن خلقكم زهر الروابي

كما روت البحار عن الجُمان

ومنها:

بناء تم مبناه وفيه

صباح الفتح للطلاب بان

وداعي اليمن أرّخه لبر

محمد المحمّد خير بان

وله آثار أدبية واشعار رقيقة كما ذكر المؤرخ الدكتور عمر تدمري في موسوعته

الاسلامية، منها تقريظ لكتاب الشيخ مصطفى وهيب البارودي كتبه شعراً سنه 1315 وعنوانه: “خلاصة البهجة في سيرة صادق اللهجة” منها:

منازل سعدى كم لها من طريقة

وأقربها وصلاً خلاصة بهجة

حوت سيرة المخصوص من فضل ربّه

بما لم يحزه غيره من خليقة

نبيّ على افعاله عكف الهدى

وفي محكم الآيات صادق لهجة

عليه صلاة ليس يدرك كُنهها

وآل كرام كل وقت ولحظة

 

 

 

التصنيفات
من علماء طرابلس

المجاهدة عائشة البشناتية

المجاهدة عائشة البشناتية

 

الأستاذ معتز مطرجي

 

    هي القائدة الرائدة في المقاومة الطرابلسية، أخت الرجال في العزة والعنفوان، شخصية فريدة كما نطقت بها الروايات الصحيحة مستقاةً من الكتب النزيهة ذات الحيدة الامينة، التي رسمت لها صورة تتراءى لنا مشرقة زاهية.

فهي ليست بمجهولة المكانة لكن يجب ان تبحث عن أخبارها في كتب الأولين، لأن ما كتب عنها قليل نظراً لما قامت به من أدوار وأفعال، ولا يحتار الباحث عن تاريخها ليحكم لها او عليها، لان ما يقرأه يروقه وينجذب اليه.

لقد أحببت ان أخصص هذه الزاوية اليوم وأكتب عن هذه البطلة لحاجتنا الى أمثالها من النساء والرجال على السواء، لان ما آلت اليه أحوالنا مهين ومعيب ولا يشرفنا ان نكون أحياء في هذا العصر، فأين اليوم من الأمس؟

كانت عائشة البشناتية من أنبل القادة وأحشم النساء، مشهودة المواقف في البسالة والجرأة والإقدام، كان فيها اعتداد بنفسها كبير، وذكاء عظيم وحصافة، ومهارة وكياسة عالية، ذات غزو وإبلاء، وصاحبة عزم مُبيّت على الإقتصاص من الغاصبين، تتقدم كتائب الرجال وترسم الخطط دفاعاً وهجوماً، وبذلك صار إسمها المفزع المرعد لدى الاعداء المتربصين.

هي عائشة بنت حرب بن وليد من قبيلة بني ضُمره، المعروفة بالبشناتية نسبة الى بشناتا، القرية التي تقع في أعالي جبال الضنية، وبشناتا في اللغة كما يقول الدكتور أنيس فريحة محل الصخور الشاهقة المعلقة والقمم المسننّة، وضُمرة من القبائل العربية التي تعود بجذورها الى عدنان جد القبائل الشمالية، عاش قسم منها في أريحا بفلسطين ومنهم الاديب القاصّ يوسف ابو ضمرة.

ولدت في طرابلس وعاشت في القرن الثالث عشر أيام حكم المماليك كانت تلبس ملابس الرجال وتتقلد السلاح وتركب الخيل، وتقصد الساحل لقطع الطريق على قوات الفرنجة، ويوماً خرجت للتصدي للأعداء أثناء حصارهم الظاهرية او الزاهرية في طرابلس واشتبكت معهم وقتلت مئتي جندي منهم في الطريق المعروفة اليوم بشارع المئتين. وذكر المؤرخ الدكتور عمر تدمري ان ضريح عائشة البشناتية كان يتخذ مزاراً ومتنزهاً لأهل طرابلس حيث يقع بظاهر المدينة في حارة النصارى، وقد أزيل في النصف الأول من هذا القرن وضمت أرضه الى مدرسة الطليان. اما المؤرخ الشيخ كامل البابا فيقول: “ان عائشة كانت حارسة لباب البلد الذي كان بقرب قبرها الى جانب سبعة من الشهداء، ولها ذكر بالتاريخ عظيم ووقائع مع الافرنج تكاد لا تصدق، يعاونها أخوها حسن، وقلعتها بقرب بشناتا لم تزل قائمة، وقد مثلت مهاجمتها لقلعة طرابلس بالسينما لبضعة سنين خلت”.

ويروى ان الشيخ عبد الكريم عويضة جلس قرب ضريح عائشة يبكي نحيباً عندما همّ العمال بهدم مقامها بغية إحداث بناء جديد لمالكيه الجدد. ورد اسم عائشة البشناتية في السيرة الشعبية للملك الظاهر بيبرس الذي اشتهر بحروبه ضد الفرنجة والمغول، والذي أسر لويس التاسع في معركة المنصورة، وزعمت بعض المصادر ان بيبرس قبل رجوعه الى مصر وانتهاء حصاره لطرابلس تزوج من الأميرة عائشة.

وجاء في أخبار التاريخ ان شقيقها حسن البشناتي طارد البرنس بوهيمند السادس امير طرابلس في الممر القائم بين القلعة وزقاق الرمانة وأمسك به وضرب عنقه وجاء برأسه على درعه وقدمه الى الظاهر بيبرس، وكان ذلك في 8 شباط من العام 1274م.

عائشة البشناتية، أحبها العامة، لمكانتها النضالية، لأنها كانت تنازل من رَفَعَ الراية غاصباً وشهر السيف محتلاً، وما كانت تخرج للقتال لتكثر مالاً وتبني جاهاً، وإنما خرجت للدفاع عن المقدسات واسترجاع حق مغتصب، كانت ذات كرّ وفرّ، وهذا أمر محبب الى نفسها حيث تشم غبار المعارك وتعدّها مجال الفوز دنيا وآخره.

فلنتخذ سيرتها منارة تضيء طريقنا.