محلاّت طرابلس القديمة مواقعها،
أسماؤها، سكانها من خلال الوثائق العثمانية*
أ. د. عمر عبد السلام تدمري
في مبنى الأرشيف العثماني التابع لديوان رئاسة مجلس الوزراء باسطنبول مجموعة ضخمة من السجلاّت والدفاتر والوثائق العائدة للعصر العثماني، وهي تشتمل على نواحٍ مختلفة من المراسيم، والتقارير، والاحصاءات، والقوانين، وتغطّي كافة أراضي البلاد العربية التي خضعت لحكم الدولة العثمانية أكثر من أربعة قرون.
وبما أن مدينة طرابلس الشام كانت عاصمة ولاية على ساحل الشام، أو "لواء" كانت حدوده تمتد من جبلة ونواحيها شمالاً، حتى جبال العاقورة وبلاد جبيل جنوباً، فإن مجموعة كبيرة من الدفاتر والسِّجلات العثمانية تختص بها محفوظة في ذلك الأرشيف، وقد جرى مؤخراً فهرسة البعض منها، وبقي الكثير من غير فهرسة، كما أن الأغلبية الساحقة منها كُتبت باللغة العثمانية ذات الحروف العربية، وهي بحاجة إلى فريق كبير من الباحثين المتخصّصين لدراستها، واستخراج المعلومات الثَّرّة منها، من معلومات تاريخية، ومعلومات جغرافية، واقتصادية، وعمرانية، واجتماعية، وما يندرج تحتها من فروع وتفاصيل كثيرة، يصلح كل جانبٍ منها لأن يكون موضوع رسالة للدراسات العليا، ومن البداهة، فليس بالإمكان الإحاطة بما تحتويه تلك الدفاتر والوثائق وتلخيصها في بحثٍ أو مقالة متواضعة.
غير أنني سأقوم بقراءة أوليّة لأول دفاتر طرابلس العثمانية، هو "دفتر مالية لواء طرابلس الشام" رقم (68) وقد كُتب سنة 925هـ/1519م. أي بعد ثلاث سنوات فقط من دخول العثمانيين إليها، وهو يتألف من (399 صفحة) من الحجم الكبير ، قياس (30×42سم). وسأحاول التركيز في هذه القراءة على جانب مما يتضمنه هذا الدفتر، وهو: ((محلات طرابلس، أسماؤها، وسكانها)) في تلك الفترة المبكرة من العصر العثماني، والتي لا يمكن فصلها عن عصر المماليك الذي سبقها، إذ كانت تحمل الأسماء ذاتها.
وهناك ثلاثة دفاتر أخرى تتناول أسماء المحلاّت بطرابلس، وهي حسب تواريخها:
1- دفتر مالية لواء طرابلس رقم 1017 (غير مؤرخ)، ولكنني من خلال التعرّف على أسماء بعض العلماء الواردة فيه استطعت أن أحدّد تاريخه بين سنتي 926-943هـ/1520-1537م.
2- دفتر مفصّل لواء طرابلس رقم (372) (غير مؤرخ)، واستطعت أن أحدّد تاريخه بحوالي سنة 962هـ/1555م .
3- دفتر إحصاء لواء طرابلس رقم (513) تاريخه سنة 979هـ/1571م.
وفي سجلات المحكمة الشرعية بطرابلس- والتي لا تقلّ أهميّة عن وثائق الأرشيف العثماني- توجد عدّة وثائق تحدّد أسماء المحلاّت بطرابلس، ولكنني سأكتفي بالإشارة إلى:
- السّجلّ رقم (1) تاريخه سنة 1077هـ/1666م.
- والسّجلّ رقم (8) تاريخه سنة 1152هـ/1739م.
وبالمقارنة بين الدفتر العثماني الأول رقم (68) وسجل المحكمة الشرعية رقم (1) وما بينهما، نلحظ اختلافاً واضحاً في أسماء عدّة محلاّت، حيث تبدّلت بعض الأسماء القديمة وأخذت أسماء جديدة، كما طرأت أسماء محلاّت لم تكن موجودة من قبل، مثل محلّة: قبّة النصر، ومحلّة المزابل، ومحلّة الرمّانة، ومحلّة القواسير، وغيرها.
وإن أهمّ ما ينبغي ملاحظته، أنّ وثائق الأرشيف العثماني لا تُحصي سوى أسماء المحلاّت في طرابلس نفسها، دون أيّ إشارة إلى "الميناء"، مما يعني أنها لم تكن منطقة سكنية في القرنين العاشر والحادي عشر الهجريين/ السادس عشر والسابع عشر الميلاديين على الأقلّ.
وبالعودة إلى أسماء المحلاّت- وعددُها ستُّ وعشرون محلّة- في أواخر عصر المماليك وأوائل العصر العثماني، نجد أن أكثرها قد تغيّر الآن، وبالتالي فإن أكثر أهل طرابلس الآن يجهلون مواقع تلك المحلاّت على خارطة المدينة، ومدلولات أسمائها، ولهذا سأحاول هنا أن أضع خطوطاً مقارِبةً لامتدادات كل محلّة، والتعريف بموقعها وأسمائها، معتمداً على أقدم وأول دفترٍ عثماني وُضع عن طرابلس، وذلك على الترتيب التالي:
1- محلّة جامع كبير
أي محلّة الجامع المنصوري الكبير ، وعُرِفت في الوثائق العثمانية اللاحقة، وسجلات المحكمة الشرعية بمحلّة سُوَيقة النوري، ولا تزال تُعرف إلى الآن بهذا الاسم. والمرجَّح لديّ أنها منسوبة إلى القاضي "نور الدين أحمد بن عبد الرحمن بن رواحة الأنصاري الحموي" ، وكان رئيساً لكُتَّاب الدَّرْج بطرابلس أيام نائب السلطنة "أسندمر" وقد شغل هذه الوظيفة قبل سنة 701هـ/1301م، ثم عاد فتولاّها ثانية سنة 712هـ/1312م. ومن المحتمل أنه كان يسكن بالقرب من الجامع الكبير فنُسِبَت المحلّة إليه، وبقي اسمها من عصر المماليك.
2- محلّة حارة النِّيني
وهي مجاورة لسُوَيقة النوري من الجهة الجنوبية. عُرِفت في الوثائق العثمانية اللاحقة وفي سجلاّت المحكمة الشرعية بمحلّة القَنَواتي. سُمّيت في عصر المماليك بحارة النيني نسبة إلى أحد علماء طرابلس من بني النيني، كان يسكن فيها. وقد عرفنا منهم: "محمد بن عمر بن أحمد بن سيف بن أحمد الطرابلسي الشافعي المعروف بابن النيني" وكان خطيباً بجامع "التوبة" ومدرّساً للحديث، وُلد سنة 769هـ/1368م، وتوفي سنة 848هـ/1445م.
وسُمّيت المحلّة في الدفتر العثماني رقم (1017) بين سنتي 926- 943هـ/1520- 1537م باسم: "حارة النيني المعروف القنواتي" "وفي الدفاتر اللاحقة نُسِي اسم "حارة النيني" تماماً، وبقي فقط: "محلّة القنواتي"، نسبة إلى صاحب هذه الوظيفة الذي كانت مهمّته مراقبة توزيع مياه السّقي في القنوات إلى بساتين طرابلس، والمشرف على فتحها وإغلاقها. وحتى منتصف هذا القرن كان يوجد سبيل ماء يحمل لوحة تاريخية، يُعرف بسبيل القنواتي، في الطريق الواقعة جنوبيّ بهو الجامع المنصوري، ممّا يرجّح أن صاحب الوظيفة المذكورة كان يسكن المحلّة فنُسِبت إليه.
3- محلّة زقاق الاكوز
وتقع في الجهة القِبْلية الجنوبية من الجامع الكبير، وهي المحلّة التي يشقّها الآن شارع الشيخ "محمد رشيد رضا"، الممتدّ من مستديرة السلطان الأشرف ابن المنصور قلاوون "النجمة سابقاً" حتى طلعة الرفاعية.
ويرجع اسم المحلّة إلى عصر المماليك، وبقي حتى القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع الميلادي يتردّد في سجلات المحكمة الشرعية، ونُسِي منذ نحو قرنٍ تقريباً.
وكلمة "الاكوز" أو "الاي كوز" تركية مركّبة من "الاي" ومعناها: "العسلي" و"كوز" ومعناها: "العين" فيكون المعنى الاجمالي: "العين العسلية" أو "صاحب العيون العسلية"، وقد اشتهر أحد سكان المحلّة بجماله وعينيه العسليّتين حتى سُمّيت المحلّة به.
4- محلّة سوق الطواقي
وهي المنطقة المجاورة للجامع الكبير من جهة الشرق، وفيها زقاق ومدرسة الأمير "قَرَطاي" وسوق العطّارين حالياً. ويرجع اسمها بسوق الطواقي إلى عصر المماليك، وبقي إلى منتصف القرن العاشر الهجري/ السادس عشر ميلادي، وأخذت تسميتها من صناعة وبيع الطواقي، ومفردها "طاقية"، وهي التي توضع على الرأس.
وفي الدفتر التالي ذي الرقم (1017) نجد اسم هذه المحلّة مع محلّة "الاكوز" يكوّنان محلّة واحدة، ويبدأ ظهور "محلة الصبّاغين" محلّها.
وفي الدفتر رقم (372) نُسَي اسم "محلّة سوق الطواقي" تماماً، وحلّ محلّه "سوق الصبّاغين"، وظلّت هذه التسمية معروفة حتى منتصف هذا القرن العشرين، إذ كانت تقوم فيه حرفة صباغة القماش وتلوينه. ثم تعطّلت المصبغة التي كانت تقوم في هذه المحلّة بعد دخول التقنيات الحديثة في صناعة الملابس، ونسي الناس اسم "الصباغين" ليحلّ اسم "سوق العطارين" وهو المعروف الآن.
5- محلّة مسجد القرمشي
وتقع في الجنوب الغربي من خان العسكر حالياً، بين محلّتي: الدبّاغة والتربيعة وكان بها مدرسة بناها أحد أمراء المماليك يُدعى "قرمش" وكان يُطلق على المدرسة اسم مسجد، فنُسبت المحلّة إليه. وحسب السجلّ العقاري لدائرة أوقاف طرابلس الإسلامية فإن مدرسة أو مسجد الأمير سيف الدين قرمش كان يقوم بين خان العسكر ومدرسة الفرير التي أزيلت قبل سنوات قليلة. وأزيلت المدرسة في النصف الأول من هذا القرن. وكان يتولّى التدريس فيها مفتي طرابلس "عثمان بن مصطفى كرامي" المتوفى سنة 1175هـ/ 1762م.
وتعتبر هذه المحلّة أكثر محلاّت طرابلس كثافة بالسكان، كما كانت الوحيدة التي تضمّ المسلمين والنصارى واليهود جنباً إلى جنب.
6- محلّة خان عديمي
وهي مجاورة ومتداخلة مع المحلّة السابقة، وتمتد من نواحي خان العسكر إلى حيّ الزاهرية، وتضمّ جزءاً من حارة النصارى والتربيعة حتى السراي العتيقة، وكان في المحلّة خان قديم من عصر المماليك يُتَّخذ مأوى للفقراء والمُعْدمين من النصارى، ولهذا عُرف بخان العديمي وسُمّيت المحلّة باسمه.
ومن الواضح أن الدفتر رقم (68) موضع هذه الدراسة يفرّق بين محلّة مسجد القرمشي، ومحلّة خان العديمي، ويجعلهما محلّتين، بينما يجمع بينهما الدفتر التالي رقم (1017) تحت اسم "مسجد القرمشي مع خان العديمي". وفي الدفتر رقم (372) وفيه: "محلة خان العديم المعروف بمسجد القرمشي". وفي الدفتر رقم (513) لسنة 979هـ/ 1571م يرد "محلّة خان العديمي" مُفْرَداً دون ذِكر لمحلّة مسجد القرمشي. أما في السجلّ الأول من سجلات المحكمة الشرعية، فتُسمّى محلّة خان العديمي بمحلّة عديمي النصارى، ويسقط اسم محلّة مسجد القرمشي نهائياً ليحلّ محلّه "القواسير".
7- محلّة سوق أسن دمور
وهي محلّة السُويقة المعروفة إلى الآن على الضفة الشرقية من النهر، وقد خطّطها وبنى معظم عمارتها نائب السلطنة بطرابلس الأمير "سيف الدين أسندمر الكُرْجي" ومنها حمّامه المعروف بـ "الحاجب"، والطاحونة القريبة من مسلخ طرابلس القديم، والكثيرمن الدُّور والحوانيت في السوق المذكور، فنُسِبت إليه منذ أول القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي، وبالتحديد سنة 701هـ/1301م.
8- محلّة سُقاق الطويل
وهي تمتدّ عند القسم الشمالي من السوق المعروف الآن بالبازركان، وتقع بين خان الخياطين وبركة الملاّحة، وتلامس من جهة الغرب جامع العطار ، وورد في إحدى وثائق المحكمة الشرعية ما يؤكد أن الزقاق الطويل كان قريباً من جامع العطار. والتسمية قديمة من عصر المماليك، ثم عُرف القسم الشمالي من المحلّة المطلّ على النهر باسم "محلة الناعورة".
9- محلّة سوقاق المصري
وتقع بين سقاق الطويل ومحلّة التربيعة التي كانت تعرف بساحة الحمصي. وهي منسوبة إلى أحد التجّار المصريّين الذي أقام فيها الخان المعروف حتى الآن بخان المصريين في القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي، من عصر المماليك.
وقد وردت هذه التسمية في الدفتر العثماني الأول رقم (68) فقط، ثم أهملت في بقية الدفاتر اللاحقة، وضُمّت فيما بعد إلى المحلاّت المجاورة أو المحيطة بها وهي: محلّة التربيعة، ومحلّة الرمّانة، ومحلّة ساحة عُميرة.
10- محلّة مسجد الخشب وسوقاق الخولي
وموقعها حالياً محلّة مقهى موسى، والأطراف الجنوبية من محلّة الدبابسة، وكانت خارج باب بيروت المعروف ببوّابة الحدّادين. والتسمية من عصر المماليك. وكان بالقرب من مقهى موسى مسجد صغير مبنيّ من الخشب يُصلّى فيه على الجنائز، فنُسبت المحلّة إليه، وأرجّح أن المسجد المذكور هو مسجد "الشالح" الذي جرى تجديد بنائه في منتصف القرن.
أما سوقاق الخولي فقد أخذ تسميته من شيخ الخُوليين (البستانيين) الذي كان يسكن المحلّة، حيث أفادتنا وثائق المحكمة أنَّ جماعة البستانيين كانوا يقطنون في محلّة الدبابسة .
وفي الدفتر الثاني رقم (1017) جرى التفريق بين محلّة مسجد الخشب، ومحلّة سوقاق الخولي، فاعتُبرتا محلّتين منفصلتين. وفي الدفتر الثالث رقم (372) نُسي اسم محلّة سوقاق الخولي، وحلّ محلّه اسم محلّة "عبد الرحمن الصوفي" ، ثم نُسيت التسمية الجديدة، وحلّ محلّها "سُوَيقة الخيل" كما جاء في الدفتر الرابع رقم (513) لسنة 979هـ/1571م وأصبحت تشمل محلّة الدبابسة مع محلّة الحدّادين التي فيها سبيل التينة ، والحمّام الجديد ، والجامع المعلّق .
11- محلّة حصن صنجيل
وهي المنطقة المجاورة لقلعة طرابلس من الجهة الغربية والشمالية، وتمتد من نواحي مقبرة مار يوحنّا في محلّة أبي سمراء جنوباً حتى نواحي جامع الأويسية وباب الحديد شمالاً، وتضم المنطقة الواقعة بين القلعة وسوق الطواقي (العطارين حالياً) وهي المعروفة الآن بمحلة المهاترة. والتسمية قديمة منذ عهد الصليبيين، حيث قام القائد التُولوزي "ريموند دي سان جيل" ببناء حصن حربيّ فوق أنقاض حصن "سفيان بن مجيب الأزدي" أثناء حصاره لطرابلس سنة 497هـ/ 1103م ومات في السنة التالية 498هـ/ 1105م داخل الحصن ، فنُسب إليه، كما نُسبت المحلّة إلى الحصن.
وتفيد الدفاتر العثمانية الأربعة التي بين يديّ أن المسلمين والنصارى كانوا يتقاسمون السُّكْنى في هذه المحلّة، وفي الدفاتر الثلاثة الأولى كانوا متساوين تقريباً في العدد، ولكنّ عدد النصارى تزايد بشكل ملحوظ في سنة 979هـ/ 1571م بحيث باتوا يشكّلون ضعف المسلمين تقريباً بموجب دفتر الإحصاء رقم (513)، ففيه إنّ المسلمين كانوا ثلاثين أسرة، بينما بلغ النصارى أربعة وخمسين أسرة.
ومن المرجّح أنّ كثرة النصارى في هذه المحلّة تعود إلى عهد الصليبيين، واستمرّت كثرتهم فيها على عهد المماليك، وحتى صدر العهد العثماني.
والجدير بالذكر أنّ اسم هذه المحلّة لم يعد يُذكر في سجلاّت المحكمة الشرعية، ممّا يرجّح أنها ضُمّت في القرن الحادي عشر الهجري/ السابع عشر الميلادي، إلى المحلاّت المحيطة بها والمجاورة لها وهي: محّلة العُوَينات، ومحلّة سوق الطواقي، ومحلّة باب المدينة (باب الحديد). ثم ّ عُرفت في القرن الثاني عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي بمحلّة "دار السعادة" ، وأخيراً عُرفت- ولا تزال- بمحلّة المهاترة .
12- محلّة سوقاق شيخ علي
هي محلّة المسلخ القديم، التي تمتدّ من نواحي جامع التوبة ، وجسر اللّحامة المعروف بالعتيق حتى باب التبّانة. وكان يوجد ضمن نطاق هذه المحلّة: مسجد الدّباغين وهو من عصر المماليك، ومدرسة الدُّبّان ، ومدرسة الوتّار . وهذه الأخيرة بناها الشيخ علي الوتّار في أواخر عصر المماليك، فنُسبت المحلّة إليه، مما يعني أن التسمية من عصر المماليك. والشيخ علي الوتّار هذا هو الجّد الأعلى لآل الميقاتي إحدى الأسر الطرابلسية العريقة التي وصل أبناؤها إلى منصب الإفتاء.
وهذه المحلّة لم يرد ذكرها إلاّ في الدفتر العثماني الأول رقم (68)، ولم يرد في بقية الدفاتر العثمانية، ولا حتى في سجلاّت المحكمة الشرعية، مما يعني أنّها أُلحقت بالمحلاّت المجاورة لها أو المحيطة بها، وخاصة محلّة "الجسر الجديد المعروفة بين الجسرين".
13- محلّة عُوَينات
هي الآن محلّة الحدّادين، والعُوَينات جزء منها. أما في عهد المماليك فكانت محلّة العوينات تشمل المنطقة الواقعة بين محلّة الأكوز من الشمال، ومحلّة مسجد الخشب من الجنوب، ويحدّها من الغرب محلّة أقْ طَرَق، ومن الشرق محلّة حصن صنجيل.
وأخذت المحلّة اسمها "العوينات" من "إعانات" بمعنى الإعانة والمساعدة. وذلك لوجود مبنى "الخانقاه" أو "الخانكه" كما يسمّيها الطرابلسيون، وهذا المبنى أقامته امرأة في عصر المماليك عُرفت بـ "الست الصالحة" وجعلته وقفاً للنساء الأرامل اللواتي لا أولاد لهنّ ولا مُعيل، ويتألف من عدّة حجرات للمبيت وفناء مكشوف وحوض ماء، ومسجد صغير، ويتقاضى نُزلاؤه من الأرامل الإعانة من الوقف المخصّص لهنّ، ونُسبت المحلّة إلى هذه الظاهرة الإجتماعية، فأطلق على النساء الأرامل في الخانقاه اسم "العُوَينات" وسُمّيت المحلّة باسمهنّ. ولا تزال هذه التسمية معروفة حتى الآن، وإن كان مدلولها الجغرافي قد ضاق عن نطاقه القديم، وأصبح خاصّاً بالمنطقة الواقعة ما بين جامعي المعلّق لجهة الجنوب، وجامع الطحّام لجهة الشمال، وتتألف من ثلاث طلعات، الأولى شمالاً تحت جامع الطحّام، والثانية جنوباً بمحاذاة الجامع المعلّق، أما الطلعة الثالثة فهي تتوسط الطريق بين الجامعين، وتلتقي الطلعات الثلاث في جهة الشرق بمحاذاة طريق الرفاعية الآن.
وورد اسم المحلّة في جميع الدفاتر العثمانية وسجلاّت المحكمة الشرعية. وكان في الناحية الغربية من المحلّة سوق يُعرف بسوق الحدّادين ورد ذكره في وقفية الأمير طينال المنقوشة على جامعه سنة 736هـ/ 1335م وقد استمرّت هذه الحرفة قائمة في المحلّة وكثُرت محلاّت الحدادة فيها وأربابها، حتى غلبت تسمية المحلّة باسمهم على اسم محلّة العُوَينات، إلاّ أنه لم يُلْغها من الذاكرة حتى الآن.
14- محلّة شيخ فضل الله
هي المحلّة المعروفة الآن بـ "قبر الزَيْني" وكانت تُعتبر آخر حدود مدينة طرابلس في العهد العثماني حتى النصف الأول من هذا القرن، وهي جنوب محلّة مسجد الخشب التي سبق التعريف بها.
وأرجّح أن اسم المحلّة عُرف في عصر المماليك، وقد سُمّيت باسم الشيخ "فضل الله المغربي" وهو أحد المجاهدين المغاربة الذين أتوا متطوّعة مع جيش المنصور قلاوون وشاركوا في فتح طرابلس وتحريرها من الصليبيين سنة 688هـ/1289م وقد تُوفي في ذلك الموضع وأقيم بالقرب من ضريحه مسجد صغير يدّل محرابه على طرازه الأندلسي المغربي ، وأتى على ذكره الرحّالة الشيخ عبد الغني النابلسي في رحلته إلى طرابلس سنة 1212هـ/ 1700م.
وورد اسم المحلّة في جميع الدفاتر العثمانية، وفي سجلاّت المحكمة الشرعية. وارتفع عدد سكانها من تسعٍ وعشرين أسرة في سنة 925هـ/ 1519م إلى خمسين أسرة في مدى نصف قرن كما يدل إحصاء الدفتر رقم (513) لسنة 979هـ/ 1571م وجميع سكانها من المسلمين.
15- محلّة خوري
وردت في الدفتر العثماني الأول رقم (68) "حوري" بالحاء المهملة، وهو تصحيف، والتصحيح "خوري" بالخاء المعجمة، وهي محلّة كانت تجاور محلّة باب المدينة (باب الحديد) لجهة الشمال، وتقع في جزء من محلّة بين الجسرين، عند "البيمارستان" الذي كان يقوم بمواجهة جامع البرطاسي قرب الجسر الجديد (السويقة) على الضفة الغربية من النهر.
وقد سُمّيت المحلّة بمحلّة خوري منذ عصر المماليك نسبة إلى بطريرك النصارى الذي كان مقره في عهد الصليبيين بالقرب من "البيمارستان" أمام البائكة القديمة التي كانت تُعرف ببائكة غانم ، وعندما استعاد المسلمون طرابلس من الصليبيين حوّلوا مقرّ البطريرك إلى مدرسة، وأبقوا على شعار الصليب المنقوش فوق بابها، وعُرِفت المدرسة بالمدرسة البطركية، وهي مقيّدة بهذا الاسم في دفتر العقارات الوقفية لدائرة أوقاف طرابلس الإسلامية، وقد أزيلت المدرسة والبيمارستان حول سنة 1960 عند تقويم مجرى نهر أبي علي.
وكان سكانها النصارى يزيدون على سكانها المسلمين، بواقع أحد عشر أسرة للنصارى، مقابل ست أُسَر مسلمة بموجب الدفتر لسنة 925هـ/ 1519م، وفي بقية الدفاتر العثمانية لم يعد يظهر اسم محلّة خوري، وكذلك في سجلاّت المحكمة الشرعية، مما يدلّ على أنها ضُمّت إلى المحالّ المجاورة لها والمحيطة بها: محلّة باب المدينة (الحديد)، ومحلّة الجسر الجديد، ومحلّة بين الجسرين.
16- محلّة باب المدينة
هكذا ورد اسمها في الدفتر العثماني الأول لسنة 925هـ/ 1519م مما يؤكد أن الاسم يعود إلى عصر المماليك، وفي الدفترين العثمانيين اللاحقين رقم (1017) ورقم (372) ورد اسمها: "باب المدينة المعروف بباب الحديد" وفي الدفتر الرابع العائد لسنة 979هـ/ 1571م أصبح اسمها فقط: "باب الحديد"؛ وهكذا أصبح يرد في سجلاّت المحكمة الشرعية، ولا يزال حتى الآن.
وتُعتبر هذه المحلّة قلب طرابلس القديمة، وهي مفتاح الطريق إلى القلعة، ولهذا كان نواب السلطنة في عصر المماليك يهتمّون دائماً ببوّابتها الضخمة المصفّحة بالحديد، فنُسبت المحلّة إلى بابها الحديدي. وقد تمكّن الفِرَنج في إحدى غزواتهم سنة 769هـ/ 1367م بقيادة ملك قبرص من اقتلاع باب المدينة ونقلوه إلى شاطئ أرمينية الصغرى (الساحل الجنوبي الشرقي من تركيا حالياً) وجعلوه باباً لقلعة "جور هيجوس" .
وحسب الدفتر العثماني الأول فإن المحلّة كانت ثانية محلاّت طرابلس كثافةً بالسكان بعد محلّة مسجد القرمشي، ففيها مائة وتسعَ عشرة أسرةٍ، منها أسرتان نصرانيّتان فقط. ولكن هذا الرقم ينخفض بشكل مُلْفِت في الدفتر الثاني فيصبح أربعاً وأربعين أسرة مسلمة فقط، ثم ينخفض عدد الأسَر المسلمة في الدفتر الثالث إلى سبع عشرة أسرة فقط، بينما يقفز عدد النصارى من صِفْر إلى ثمانٍ وعشرين أسرة، وفي الدفتر الرابع لسنة 979هـ/ 1571م يرتفع عدد الأسَر المسلمة من جديد إلى إثنين وستين أسرة، ويرتفع عدد النصارى أيضاً إلى أربعٍ وأربعين أسرة. وهذا التفاوت في الإحصاءات بين دفتر وآخر يحتاج إلى دراسة خاصة.
17- محلّة حجّارين
هي المنطقة المجاورة لمحلّة سُوَيقة النوري من جهة الشمال الغربي وتمتدّ شمالاً حتى السراي العتيقة، وفيها حالياً شارع المكتبات وثكنة الدرك السّيار (سابقاً)، والكنيسة الإنجيلية، وتلامس شارع الراهبات.
واسم المحلّة يعود إلى عصر المماليك، وفي وسطها زقاق كان يشغله معلمو البناء والعمال الذين يقطعون الحجارة والبلاط، فنسبت المحلّة إليهم، ولا يزال الزقاق قائماً حتى الآن ويحمل لوحة البلدية باسم "زقاق الحجارين".
وكان يتقاسمها المسلمون والنصارى في السكنى، فيزيد المسلمون على النصارى تارةً، ويزيد النصارى على المسلمين تارةً أخرى حسب إحصاءات الدفاتر الأربعة، وفي القرن الحادي عشر الهجري/ السابع عشر الميلادي، جرى تقسيم المحلة إلى محلتين، هما: محلّة حجارين النصارى، ومحلّة حجارين المسلمين، حسب أول سجلات المحكمة الشرعية.
18- محلة باب أقْ طرق
وهي المحلّة المعروفة بـ "صف البلاط"، وكان قسمٌ منها يُعرف حتى منتصف هذا القرن بـ "قبوة الطرطوسي". وتقع المحلّة إلى الشمال من مقبرة باب الرمل، تجاورها من الشرق محلّة سوقاق الحمص والملوخية (الدفتار) حالياً، ومن الشمال محلة الأكوز، ومحلة القنواتي. وفيها المدرسة الخاتونية ، والمدرسة السقرقية ، وجامع أرغون شاه .
واسم المحلّة من عصر المماليك مأخوذ من اسم الأمير "سيف الدين أقطرق الحاجب" صاحب المدرسة المعروفة بالسقرقية، وهو اسم تركي مركب من "آق": أبيض، وطُرُق: طريق. فيكون: الطريق الأبيض. وقد يكون: طَرَق: بفتح الطاء والراء: ومعناه المشْط، فيكون: المشط الأبيض. وقد تم بناء المدرسة سنة 760هـ/ 1359م.
وقد أقيمت بوابة إلى الجنوب من المدرسة على مسافة نحو خمسين متراً، وأقيم بجوارها زاوية أرغون شاه التي تحولت فيما بعد إلى الجامع المعروف الآن، وتبدو آثار البوابة في الزاوية الجنوبية الشرقية من الجدار الخارجي للجامع بعد أن أزيلت وفتحت الطريق المؤدية إلى الجبانة.
وكان اسم المحلّة متداولاً في جميع الدفاتر العثمانية، وفي سجلات المحكمة الشرعية حتى أواخر القرن الماضي، حيث عرفت المحلّة بـ "صف البلاط" لأن أرضها كانت مرصوفة بالبلاط الأسود، كما تغير اسم البوابة، فأصبحت: "باب الرمل".
19- محلة سوقاق الحمص والملوخية
موقعها الآن "ساحة الدفتار" وهي بين محلة الأكوز من الشمال، والعوينات من الشرق، وسوقاق الخولي من الجنوب، وباب أقطرق من الغرب.
ويظهر من التسمية أن المحلّة كانت تشتهر ببيع الحمص والملوخية فسميت بهما، ولم يرد اسم "الملوخية" إلا في الدفتر العثماني الأول، وأهمل في بقية الدفاتر العثمانية، وكذلك في سجلات المحكمة الشرعية، وبقي اسم محلّة سوقاق الحمص هو المتداول حتى القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر الميلادي، حيث أصبحت تعرف بساحة الدفتردار، نسبة إلى ناظر حسابات طرابلس "عمر أفندي الدفتردار" الذي كان يسكنها، وبقي اسم "زقاق الحمص" يطلق حتى الآن على الزقاق المتفرع من ساحة الدفتار إلى محلّة "قبوة الحتة" بالقرب من جامع الطحام.
20- محلة بين الجسرين
هي المنطقة الواقعة شمال محلة سوق أسندمر (السويقة حالياً) على الضفة الشرقية من النهر وتمتد حتى محلّة باب التبانة، وتسميتها تعود إلى عصر المماليك، ويحدها من الشمال الجسر العتيق المعروف بالدباغة، ومن الجنوب الجسر الجديد عند جامع البرطاسي ، ولهذا سميت: "بين الجسرين".
وفي الدفتر العثماني الثاني رقم (1017) ورد اسم المحلّة: "جسر الجديد المعروف بين الجسرين".
وفي الدفتر الثالث رقم (372) سميت: "محلّة جسر الجديد" وكذلك في الدفتر الرابع رقم (513). ثم أعيد تسميتها بمحلة بين الجسرين في سجلات المحكمة الشرعية. ومن أهم معالمها: "خان المنزل" ، و"المدرسة الزريقية" وهي أقدم مدارس المماليك في طرابلس، وقد أزيلت مع الخان عند تقويم مجرى النهر.
21- محلة عقبة الحمراوي
وهي معروفة حتى الآن بهذا الاسم، فوق محلّة سوق أسندمر، وهي درج يصعد منها إلى محلّة ظهر المغر، وإلى محلّة قبة النصر، ولهذا سميت بالعقبة. ولم تسعفني المصادر للتعرف على شخصية "الحمراوي" الذي نسبت العقبة إليه، وإن كان من المؤكد أنه من عصر المماليك، وله ضريح قائم حتى الآن في وسط العقبة.
ولم تذكر هذه المحلّة بهذا الاسم إلا في الدفتر العثماني الأول. وقيدت في الدفاتر العثمانية الأخرى باسم "محلّة العويراتية".
ثم ورد ذكر "بوابة عقبة الحمراوي" في سجل المحكمة الشرعية رقم (8) لسنة 1152هـ/ 1739م على أنها تقع بين محلّتي: بين الجسرين، وقبة النصر.
22- محلة الطواحين
هي المنطقة الممتدة عبر النهر وعلى حافتيه ابتداء من موقع تكية الدراويش المعروفة بالمولوية ، جنوباً، حتى الناعورة قرب المسلخ القديم شمالاً، وتضم المحلّة المعروفة الآن بـ "تحت السباط" ، التي تقع في سفح القلعة لجهة النهر.
وكان في المحلّة عدّة طواحين إعتباراً من العهد البيزنطي حتى عهدٍ قريبٍ من الآن، مروراً بالعهد الإسلامي، والصليبي، والمملوكي، والعثماني، ولهذا نُسبت المحلّة إليها. غير أن هذه التسمية لم ترد إلاّ في الدفتر العثماني الأول، إذ قُيدت في الدفتر الثاني باسم "حارة اليعقوبية"، وهي "محلّة تحت السّباط" الآن. وأخذت اسمها من طائفة اليعاقبة التي كانت تسكن المحلّة، وكان منهم جماعة من المطبّبين الذين يعملون في معهد الطبّ المشهور في عهد الصليبيين ، والذي تحوّل في عهد المماليك إلى بيمارستان.
ثم قُيّدت المحلّة في الدفتر الثالث باسم "محلة الناعورة"، وهكذا عُرفت أيضاً في الدفتر الرابع.
والذي يؤكد أن محلّة الطواحين هي محلّة اليعقوبية، وهي أيضاً محلّة الناعورة، ما ورد في السجلّ رقم (8) من سجلاّت المحكمة لسنة 1152هـ/ 1739م في وثيقة تُحصي بوّابات طرابلس، وجاء فيها إنّ بوابة الطواحين كان عليها محلّتا: اليعقوبية والناعورة.
23- محلّة ساحة الحمصي
هي محلّة "التربيعة" المعروفة الآن، واسمها يعود إلى عصر المماليك، وهي منسوبة إلى الأمير "عَلَم الدين سَنْجَر الحمصي" الذي كان يتولّى وظيفة "شادّ الدواوين" بطرابلس سنة 724هـ/ 1324م وقد بنى في الساحة المذكورة مدرسةٌ لا تزال قائمةً إلى الآن، كما بنى بقربها داراً فوق الطريق لا تزال قائمة إلى الآن أيضاً.
وفي الدفتر العثماني الثالث رقم (372) ورد اسم المحلّة: "ساحة الحمصي المعروف عَلَم الدين".
وفي سجلاّت المحكمة الشرعية سُمّيت: "محلّة التربيعة" ولا تزال معروفة إلى الآن. والأكثرية من سكانها مسلمون، وفيها قلّة من النصارى، وفي بعض الأحيان قلّة من اليهود، وذلك لاتّصالها بمحلّتي النصارى واليهود من جهتي الغرب والشمال.
24- محلّة جسر العتيق
هي المحلّة التي كانت تعرف بالدبّاغة، ويحتمل أنّ جسراً قديماً من عهد الصليبيين كان يقوم فوق النهر مكان جسر "اللحّامة" الذي تهدّم في فيضان النهر أواخر سنة 1955 فنُسِبت المحلّة إليه.
وورد اسم المحلّة في الدفتر العثماني الثالث: "جسر العتيق المعروف بدبّاغة".
وتفيد الإحصاءآت في الدفاتر الأربعة بأنها كانت تشهد كثافة سكانية، وخاصة في الدفتر الثالث رقم (372) حيث أُحصي فيها مائتان وأربع عشرة أسرة كلّها من المسلمين.
وفي سجلاّت المحكمة الشرعية أصبحت تُسمّى "محلّة ساحة عُميرة"، وهي الساحة التي كانت تتوسّطها بركة الدبّاغة بالقرب من جامع التوبة.
25- محلّة النصارى المعروفة بتبانة
والمقصود بها محلّة النصارى المعروفة الآن حيث شارع الكنائس وما حولها، وكانت تتصل قديماً بالتبانة التي أخذت تسميتها من بائعي التِبْن والعَلَف للدوابّ، ولهذا أخذت المحلّة اسمين في عصر المماليك وصدْر العصر العثماني، ومع اطّراد التوسّع العمراني والسكاني تمدّد موقع محلاّت التبانة شمالاً إلى مسافة بعيدة عن حارة النصارى، لتصبح محلّة قائمة بذاتها، منفصلة عن محلّة النصارى.
وقد جاء في الدفتر العثماني الأول أن سكانها بلغوا اثنين وتسعين أسرة كلّهم نصارى. بينما نجد في الدفتر الثاني أن المجموع انخفض إلى أربعٍ وستّين أسرة، ولكن كلّهم من المسلمين، مما يعني أنّ المقصود هو "محلّة التبانة" دون حارة النصارى، وأن محلّة النصارى أصبحت تُعرف بمحلّة "خان العديمي".
وفي الدفتر الرابع رقم (513) لسنة 979هـ/ 1571م نجد أنّ "محلّة النصارى" لم تعد تُذكر بهذا الاسم، بل قُسَّمت إلى ثلاث محلاّت هي: خان العديمي، وقيسارية الإفرنج، وزقاق القسّيس، وتُلامِسُ جنوباً محلّة الحجّارين.
ويحدّد الدفتر الثالث رقم (372) سكان محلّة النصارى بأنهم من اليعاقبة والروم.
26- محلّة يهودي
وهي محلّة قديمة من عصر المماليك، وكانت تُعرف حتى منتصف هذا القرن بمحلّة "قبور اليهود" وهي تعتبر في عصر المماليك بظاهرمدينة طرابلس، وموقعها خارج بوّابة الدبّاغة، إلى الشمال الغربي من خان العسكر ، وكانت تمتدّ حتى معمل الثلج القديم والأطراف الشرقية من محلّة الزاهرية. وكان لهم فيها كنيس ومقبرة ظلّت معروفة حتى حوالي سنة 1960، وقد هجر اليهود محلّتهم على دفعات، في سنة 1948 و1956 و1967 إلى أن زالت تماماً بعد مشروع تقويم مجرى النهر.
وفي أول إحصاء عثماني لسكان طرابلس سنة 925هـ/ 1519م كان اليهود يشكلون تسعين أسرة، في محلتين: محلّة اليهود، ومحلّة مسجد القرمشي.
وفي الدفتر العثماني الثاني رقم (1017) أُحصي ثماني اُسَر في محلّة "ساحة الحمصي" (أي التربيعة). وفي الدفتر الثالث رقم (372) ازداد العدد الإجمالي لليهود فبلغوا مائة وخمساً وخمسين أسرة.
وبعد، فهذه هي أسماء محلاّت مدينة طرابلس كما وردت في الدفتر العثماني الأول رقم (68)، حاولت التعريف بها، وبمواقعها، ومدلولات أسمائها، وتطوّرها، وأشرت إلى أهمّ الملامح السكانية والطوائف دون الخوض في تفاصيل سكان كلّ محلّة، إذ يتطلّب ذلك دراسة قائمة بذاتها.
وحتى أظلّ في نطاق موضوع البحث، تجدر الإشارة إلى أن أسماء جديدة حلّت محلّ أسماء المحلاّت القديمة، ذَكَرَتْها الدفاتر العثمانية التالية مثل: محلّة الصبّاغين، وحارة اليعقوبية، ومحلّة العُوَيْراتية، وقيسارية الإفرنج، والناعورة، ومحلّة عبد الرحمن الصوفي، وسويقة الخيل، وزقاق القِسّيس، وقبة النصر.
ثم أضاف السَّجلّ الأول من سجلاّت المحكمة الشرعية أسماء محلاّت أخرى، بعضها حلّ محلّ أسماء قديمة، والبعض الآخر لمحلاّت مُستحْدَثَة، مثل: محلّة حجّارين النصاري، ومحلّة حجّارين المسلمين، ومحلّة عديمي المسلمين، ومحلّة عديمي النصارى، ومحلّة القواسير، ومحلّة الرمّانة، ومحلّة المزابل. (وهي حارة "البرّانية" حالياً).
وكان يربط بين محلاّت طرابلس إحدى عشر بوّابة وردت أسماؤها في وثيقة كُتبت سنة 1152هـ/ 1739م في سجلّ المحكمة الشرعية رقم (8)، وتوضّح هذه الوثيقة أسماء المحلاّت التابعة لها، أو المنفتحة عليها، على هذا النحو:
1- بوّابة الحجّارين، عليها: محلة النوري، والحجّارين، والقنواتي.
2- بوّابة دار سعادة: محلة الصباغة، ومحلّة العوينات.
3- بوّابة باب الحديد: باب الحديد ثُلُثين، والرّمانة ثُلث.
4- بوّابة عَقَبة الحمراوي: محلّة بين الجسرين، وقبّة النصر .
5- بوّابة الدبّاغة، عليها: محلّة اليهود، والتربيعة.
6- بوّابة القلعة على النهر، عليها: القواسير، والمزابل.
7- بوّابة الطواحين، عليها: محلّة اليعقوبية، والناعورة.
8- بوابة الأمير محمد ، عليها: محلّة عديمي المسلمين، وعديمي النصارى، ثُلثين على عديمي
النصارى، والثلث على عديمي المسلمين.
9- بوّابة الغنشاه ، عليها: محلّة أق طرق، وزقاق الحمّص، والأكوز.
10- بوّابة التبانة باب حلب: محلّة التبانة، وساحة عُميرة.
11- بوّابة باب بيروت، عليها: محلّة سويقة الخيل، ومسجد الخشب.
* دراسة نشرت في أعمال "المؤتمر الأول لتاريخ ولاية طرابلس إبان الحقبة العثمانية، 1516-1918". الجامعة اللبنانية – كلية الآداب والعلوم الإنسانية – الفرع الثالث، 27و28 أيار 1995، ص97- 125.