تراث طرابلس

التصنيفات
من علماء طرابلس

الشيخ عبد الحميد الخطيب

الشيخ عبد الحميد الخطيب

 

الأستاذ معتز مطرجي

 

   الخطيب في اللغة إمام الجامع الذي يقوم بالخطابة فيه، والخطابة فن ادبي نثري غايته التأثير والاقناع، وللشيخ عبد الحميد الخطيب اسم على مسمى.

كان إماماً في علوم اللغة والدين، عُرف بفصاحة اللسان وبلاغة البيان، ومنطق الكلام الحسن، هو الحجّاج بمعنى صاحب الحجّة القوية والوضوح في اظهار المقصود، يُفصح لسانه عن كُنه ما في قلبه، وجاء في الحديث الشريف: إن من البيان لسحراً، ويعني ان بعض البيان يعمل عمل السحر لشدة فعله في سامعه وسرعة قبول القلب له كما جاء في لسان العرب. وقديماً قيل: أعطوني لسان خطيب واحد وخذوا ألف مقاتل، ومترجمنا كان من الفهم والذكاء ما جعله يتمتع بكل هذه الصفات.

الى جانب ذلك ذكرت المصادر التاريخية انه كان ذا عقل راجح وأخلاق سمحة وعلم غزير،سريع الخاطر في نظم الشعر، لا يتكلف ولا يتصنع في أجواء من العفوية الجذابة، ازهري الدراسة صوفي شاذلي الطريقة، وصفه العلامة الشيخ حسين الجسر بالمرشد الكامل وبمربي المريدين في مشيخة سجادة علي أبو الحسن الشاذلي الذي ينتهي نسبه الى الحسن بن علي بن ابي طالب رضي الله عنهم. ولد عبدالحميد أبن الشيخ يوسف بن اسماعيل الخطيب في طرابلس سنة 1848، وأخذ علومه الأولى على مشايخها، ثم توجه الى الأزهر الشريف حيث أتم دراسته في علوم اللغة والفقه، وعاد الى مسقط رأسه ليقيم حلقات التدريس حيث تخرج على يده كثيرون أصبحوا فيما بعد من العلماء ومن أصحاب المناصب الدينية في المدينة منهم اخوه الشيخ محي الدين الخطيب الذي تولى التدريس والخطابة في جامع الاويسية القريب من قلعة طرابلس.

ويروى أن محمد باشا المحمد قام بإنشاء مكتبة ومدرسة في قرية مشحة العكارية تعزيزاً لنشر دور العلم والتربية، فنظم قصيدة في مدحه، هذا مطلعها:

أماناً فارس العليا الأمانْ

جوادك لا يرد له عنان

اذا جردت ماضي العزم يوماً

فما أحد يقوم له سنان

ملكت الفضل في جدٍّ وجد

فَخَرْتَ السبْق في يوم الرهان

وكم مشكاة فكرك قد أضاءت

فاظهرت الحقائق للعيان

خيال الوهم ليس له مجال

بآراءٍ بكم يوم الطعان

روى عن خلقكم زهر الروابي

كما روت البحار عن الجُمان

ومنها:

بناء تم مبناه وفيه

صباح الفتح للطلاب بان

وداعي اليمن أرّخه لبر

محمد المحمّد خير بان

وله آثار أدبية واشعار رقيقة كما ذكر المؤرخ الدكتور عمر تدمري في موسوعته

الاسلامية، منها تقريظ لكتاب الشيخ مصطفى وهيب البارودي كتبه شعراً سنه 1315 وعنوانه: “خلاصة البهجة في سيرة صادق اللهجة” منها:

منازل سعدى كم لها من طريقة

وأقربها وصلاً خلاصة بهجة

حوت سيرة المخصوص من فضل ربّه

بما لم يحزه غيره من خليقة

نبيّ على افعاله عكف الهدى

وفي محكم الآيات صادق لهجة

عليه صلاة ليس يدرك كُنهها

وآل كرام كل وقت ولحظة

 

 

 

التصنيفات
من علماء طرابلس

المجاهدة عائشة البشناتية

المجاهدة عائشة البشناتية

 

الأستاذ معتز مطرجي

 

    هي القائدة الرائدة في المقاومة الطرابلسية، أخت الرجال في العزة والعنفوان، شخصية فريدة كما نطقت بها الروايات الصحيحة مستقاةً من الكتب النزيهة ذات الحيدة الامينة، التي رسمت لها صورة تتراءى لنا مشرقة زاهية.

فهي ليست بمجهولة المكانة لكن يجب ان تبحث عن أخبارها في كتب الأولين، لأن ما كتب عنها قليل نظراً لما قامت به من أدوار وأفعال، ولا يحتار الباحث عن تاريخها ليحكم لها او عليها، لان ما يقرأه يروقه وينجذب اليه.

لقد أحببت ان أخصص هذه الزاوية اليوم وأكتب عن هذه البطلة لحاجتنا الى أمثالها من النساء والرجال على السواء، لان ما آلت اليه أحوالنا مهين ومعيب ولا يشرفنا ان نكون أحياء في هذا العصر، فأين اليوم من الأمس؟

كانت عائشة البشناتية من أنبل القادة وأحشم النساء، مشهودة المواقف في البسالة والجرأة والإقدام، كان فيها اعتداد بنفسها كبير، وذكاء عظيم وحصافة، ومهارة وكياسة عالية، ذات غزو وإبلاء، وصاحبة عزم مُبيّت على الإقتصاص من الغاصبين، تتقدم كتائب الرجال وترسم الخطط دفاعاً وهجوماً، وبذلك صار إسمها المفزع المرعد لدى الاعداء المتربصين.

هي عائشة بنت حرب بن وليد من قبيلة بني ضُمره، المعروفة بالبشناتية نسبة الى بشناتا، القرية التي تقع في أعالي جبال الضنية، وبشناتا في اللغة كما يقول الدكتور أنيس فريحة محل الصخور الشاهقة المعلقة والقمم المسننّة، وضُمرة من القبائل العربية التي تعود بجذورها الى عدنان جد القبائل الشمالية، عاش قسم منها في أريحا بفلسطين ومنهم الاديب القاصّ يوسف ابو ضمرة.

ولدت في طرابلس وعاشت في القرن الثالث عشر أيام حكم المماليك كانت تلبس ملابس الرجال وتتقلد السلاح وتركب الخيل، وتقصد الساحل لقطع الطريق على قوات الفرنجة، ويوماً خرجت للتصدي للأعداء أثناء حصارهم الظاهرية او الزاهرية في طرابلس واشتبكت معهم وقتلت مئتي جندي منهم في الطريق المعروفة اليوم بشارع المئتين. وذكر المؤرخ الدكتور عمر تدمري ان ضريح عائشة البشناتية كان يتخذ مزاراً ومتنزهاً لأهل طرابلس حيث يقع بظاهر المدينة في حارة النصارى، وقد أزيل في النصف الأول من هذا القرن وضمت أرضه الى مدرسة الطليان. اما المؤرخ الشيخ كامل البابا فيقول: “ان عائشة كانت حارسة لباب البلد الذي كان بقرب قبرها الى جانب سبعة من الشهداء، ولها ذكر بالتاريخ عظيم ووقائع مع الافرنج تكاد لا تصدق، يعاونها أخوها حسن، وقلعتها بقرب بشناتا لم تزل قائمة، وقد مثلت مهاجمتها لقلعة طرابلس بالسينما لبضعة سنين خلت”.

ويروى ان الشيخ عبد الكريم عويضة جلس قرب ضريح عائشة يبكي نحيباً عندما همّ العمال بهدم مقامها بغية إحداث بناء جديد لمالكيه الجدد. ورد اسم عائشة البشناتية في السيرة الشعبية للملك الظاهر بيبرس الذي اشتهر بحروبه ضد الفرنجة والمغول، والذي أسر لويس التاسع في معركة المنصورة، وزعمت بعض المصادر ان بيبرس قبل رجوعه الى مصر وانتهاء حصاره لطرابلس تزوج من الأميرة عائشة.

وجاء في أخبار التاريخ ان شقيقها حسن البشناتي طارد البرنس بوهيمند السادس امير طرابلس في الممر القائم بين القلعة وزقاق الرمانة وأمسك به وضرب عنقه وجاء برأسه على درعه وقدمه الى الظاهر بيبرس، وكان ذلك في 8 شباط من العام 1274م.

عائشة البشناتية، أحبها العامة، لمكانتها النضالية، لأنها كانت تنازل من رَفَعَ الراية غاصباً وشهر السيف محتلاً، وما كانت تخرج للقتال لتكثر مالاً وتبني جاهاً، وإنما خرجت للدفاع عن المقدسات واسترجاع حق مغتصب، كانت ذات كرّ وفرّ، وهذا أمر محبب الى نفسها حيث تشم غبار المعارك وتعدّها مجال الفوز دنيا وآخره.

فلنتخذ سيرتها منارة تضيء طريقنا.

التصنيفات
من علماء طرابلس

الشيخ عبد اللطيف نشابة

الشيخ عبد اللطيف نشابة

 

الأستاذ معتز مطرجي

 

       علم من الاعلام، له قدم راسخة في شتى العلوم، فقيه ناصح، محدث لبق وخطيب مفوه، اديب وشاعر ، نظم الشعر على مختلف الضروب، ودوّن قصائده في ديوان مخطوط، حفظ القرآن الكريم في وقت مبكر.

وصفه معاصروه بصاحب الاخلاق العالية، والقيم الرفيعة، والتواضع الجمّ، وكانت سيرته على نمط السلف الصالح، كما كان صبيح الوجه، حنطي اللون، معتدل القامة، يضع على رأسه عمامة بيضاء.

ولد عبد اللطيف بن محمود عبد الدائم نشّابة في طرابلس سنة 1825م على وجه التقريب، وعاش بكنف ابيه الشيخ محمود عبد الدائم العالم الجليل الذي تتلمذ على يديه في دروسه الأولى، ثم ارسله الى الأزهر الشريف لمتابعة دراسته في كافة العلوم. وآل نشابه من العائلات الطرابلسية المعروفة، كانت في الأصل تنسب الى الجدّ الشيخ عبد الدائم، ثم اشتهرت بالاسم الذي تعرف به الآن: نشّابه، لأسباب من الجدير ذكرها، فقد كان جدّ صاحب الترجمة وكيلاً للأزهرالشريف، وكانت ترد عليه الاسئلة الدينية والدنيوية بكثرة، ويجيب السائل بسرعة البرق كالنشاب من غير تلكؤ أو ابطاء، فاطلقوا عليه لقب ( نشّابه)، وعائلة عبد الدائم نشابه حسينية الأصول كما ذكر المؤرخ الدكتور عمر تدمري.

بعد عودته من الأزهر الشريف ووفاة ابيه تولى التدريس في الجامع المنصوري بموجب قرار من السلطات العثمانية ، وعيّن في الوقت نفسه مفتشاً في المعارف بطرابلس وجوارها، وكان ذلك في عهد المتصرف عزمي بك الذي بنى المستشفى على رابية ابي سمراء والتي تستخدم الآن مأوى للعجزة والمسنين، وهو الذي أمر بشق الشارع العامر المعروف باسمه.

لمترجمنا تقريظ على قصيدة ” نزهة العقول” للشيخ عبدالقادر الادهمي الحسيني قال فيه:

هذي جواهر آثار منظمة            قد صاغها للبرايا جوهر الكلم

ونزهة لعقول الهائمين لل           ذكرى معالم طه سيد الامم

هذا النظام نظام الادهمي ولا        نظام من هام في وعد وفي قثم

حباه مولاه ما يرجوه من املٍ       دنيا وأخرى لما يبديه من حكم

بجاه طه واصحاب وعترته        اهل الهدى والعلا والمجد والكرم

عليه أوفى صلاة الله دائمة          طول المدى مع سلام وافرالعظم

 

ومن الذي درسوا عليه عدد وافر من العلماء ومنهم :

الشيخ جميل عدره، الشيخ خالد العمادي، الشيخ لبيب مراد، والشيخ عبد الرحمن عاصم رضا، وكان من خواص تلاميذه الحاج حسني اديب عبد الواحد. وفي موسوعة علماء المسلمين للدكتور تدمري ذكرعن مترجمنا ما يلي:

“جاء على شاهد ضريحه انه توفي في 20 ربيع الثاني سنة 1315 هـ وكتب عليه: هذا مقام العالم الجليل العارف بالله تعالى سيدي عبد اللطيف ابن الشيخ محمود عبدالدائم الشهير بنشابه، قدس الله روحه ونوّر ضريحه، وكتب هذه الأبيات:
كنت عبد اللطيف في الفيحاء

قمر العلم كامل الاضواء

كنت يا ابن المحمود قولاً وفعلاً في بنيها نشّابة العلماء

قد ورثت العلوم عنه وحقاً

كان في العلم وارث الانبياء

وبك الجامع الكبير تباهى

وهو يثني عليك خير ثناء

قلت مذ فزت بالمكارم أرّخ

حاز عبد اللطيف اهنى الرضاء

توفي الشيخ عبد اللطيف سنة1897 م

وجرى له تشييع كبير عبّر فيه طلابه ومحبوه عن تقديرهم له، وكرمته الدوله العثمانيه باحتفال ضخم، كما رثاه كبار العلماء كالشيخ ابي المحاسن القاوقجي والشيخ عبد الكريم عويضة وغيرهما. رحمهم الله جميعاً.

 

التصنيفات
من علماء طرابلس

أحمد مرحبا وسينما “حلوان بلاس” بطرابلس

أحمد مرحبا وسينما “حلوان بلاس” بطرابلس

الدكتور عمر تدمري

 بدأ إنتاج الأفلام الناطقة، ووصل إلى طرابلس أول فيلم إلى سينما “حلوان بلاس” بصحبة مهندس فني فرنسي، أقام بطرابلس بضعة أيام كان يدير فيها آلة العرض، ثم سافر إلى بلده. وكان الشاب النبيه أحمد مرحبا لم يبلغ الخامسة والعشرين من عمره (ولد سنة 1909) يتردد إلى تلك الدار لمشاهدة الفيلم مع غيره من أبناء البلد. وفي اليوم التالي لسفر المهندس الفرنسي امتلأت قاعة السينما بالرواد، وحان موعد عرض الفيلم، ففوجئ الجميع بأن أحداً لا يعرف إدارة آلة العرض، وحصل هرج ومرج في القاعة، وطال الانتظار، وارتفع صوت الجمهور الغاضب، وكاد الغاضبون أن يحطموا المقاعد، حتى اضطر صاحب الدار إلى ردّ ثمن تذاكر الدخول لأصحابها، وتكرر الأمر نفسه في اليوم التالي، وامتد الحال إلى أيام أخرى. وكان صاحب الدار يتميز غيظاً لما يتعرض له من خسارة مالية، ولعدم معرفته بكيفية إدارة آله العرض. وفيما كان على ذلك الحال أتاه الشاب الألمعي وطلب منه أن يسمح له برؤية آلة العرض علّه يعرف كيف تعمل، فانتهره صاحب الدار أولاً وأبدى استهجانه واعتقد أنه يستهزئ به وهو في شدة غليانه من الغيظ، ثم تردد في أن يسمح له بذلك بعد إلحاحه، ولم يجد حلاً لمعضلته سوى النزول عند طلب الشاب، وسمح له بالدخول إلى غرفة العرض، وراح الشاب يتفحص الجهاز ويمعن النظر والفكر فيه لبعض الوقت، وتوصل بذكائه إلى معرفة سر الآلة وأدارها بنجاح وسط ذهول صاحب السينما ودهشته، وكاد يطير من الفرحة حيث بات بإمكانه تعويض خسائره، ولكن كان عليه أن يضمن وجود هذا الشاب عند كل عرض ليتولى إدارة الفيلم، وهنا كان لا بد من إجراء عقد بين الطرفين، وبعد التفاوض جرى تحرير عقد يتعهد فيه الشاب “أحمد مرحبا” بتشغيل آلة السينما في المواعيد التي تعينها له إدارة السينما، ولا يحق له أن يعمل عند غيره مدة سنة كاملة. بدءاً من اول نيسان 1933، على أن يدفع صاحب الدار له مبلغ 20 ليرة سورية في الشهر. وتضمن العقد بنوداً جزائية بحق الطرفين، وكفالة فريق ثالث.
فكان الفريق الأول يتمثل بالحاج عوض طبيعات مدير إدارة سينما حلوان بلاس.

والفريق الثاني هو أحمد عبد القادر مرحبا.

والفريق الثالث هو الكفيل عبد اللطيف جندح التاجر الطرابلسي.

وبعد إتمام العقد كلّف مدير السينما عوض طبيعات منادياً يدور في أسواق طرابلس وشوارعها معلناً عن موعد العرض الجديد للسينما بعد توقفها. وفي اليوم المحدد امتلأت القاعة بالمشاهدين، وما إن بدأ العرض حتى ضجّت السينما بالتصفيق والهتاف، وانفرجت أسارير مديرها وغمرته الفرحة، وأثبت أحمد مرحبا ابن طرابلس أنه واحد من ثلة شبابها النابهين وعباقرتها الأفذاذ الذين تفاخر بهم مدى الأجيال والعصور.