تراث طرابلس

التصنيفات
من علماء طرابلس

الشيخ محمود منقارة

الشيخ محمود منقارة

 

 

الأستاذ معتز مطرجي

 

    هو واحد من هؤلاء الشيوخ الكبار ورجال الدين الكبار، الذين عملوا سنين في خدمة الشرع الشريف وسط أبناء الفيحاء، ومع إختلاف العهود خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وأوائل القرن العشرين، لم يلتفت أحد الى حفظ تراث هؤلاء الرجال كاملاً، اللهم إلا من محاولات فردية خجولة لقلة من أبناء هؤلاء العلماء، هذا التراث الذي هو ثمرة جهد فكري في البحث والعطاء لمدينة العلم والعلماء.

ولا أغالي إذا قلت ان الشيخ محمود رجل دين شمولي في علمه وفكره كما في سلوكه وحياته، ثابر وتسامى وسار في طريق الحقيقة ووصل، وغلبت إجتهاداته الفقهية على ما عداها، الى جانب مساهماته الأدبية والاجتماعية، واشتراكه مع علماء عصره في محاولة بناء الانسان المسلم على أسس روحية سليمة، وذلك بالرجوع الى الأصول والمناهل، في حين أخفق العالم الآخر في هذا المضمار لإعتماده على البناء المادي للانسان وإهمال الروحي.

وفي رحلة قام بها الأديب المصري محمد عبد الجواد القاياتي الى طرابلس سنة 1885 يقول في كتابه “نفحة البشام في رحلة الشام” ما يلي: وجاءنا للسلام جملة من العلماء الاعلام والامراء الفخام منهم: الشيخ حسين أفندي الجسر، نجل العالم العامل والولي الواصل الشيخ محمد الجسر الذي اشتهر في البلاد الشامية بالكرامات الواضحة والاعمال الصالحة الى ان يقول: وكذلك حضرنا مجلس الذكر في بيت الشيخ عبد الرزاق أمام ضريح والده الشيخ محمود الرافعي، ومنهم المرشد الشهير والاستاذ الكبير أستاذنا الشيخ محمد القاوقجي، فإنه تنزل وجاءنا زائراً على ضعف قواه وعظم تقواه وتقدمه في السن وبعد منزله، ومنهم الشيخ محمود منقارة وأخوه، وهما من أهل العلم والفضل مشتغلان بالقراءة والتعليم في مدرسة من مدارس البلدة العامرة بالعلماء والطلبة، فإن مدارس طرابلس بالنسبة لغيرها من باقي مدن الشام ما عدا دمشق، معمورة مأهولة بأهل العلم، فترى غالبهم مختصاً بمدرسة لجلوسه وقراءته وتعليمه واجتماعه على إخوانه وأفدانه زيادة على اشتراكه مع أهل العلم في الجامع الكبير. وممن زارنا من أعيان طرابلس حسن أفندي كرامه أخو مفتي أفندي طرابلس حالاً.
ويذكر المؤرخ الدكتور عمر تدمري في كتابه آثار طرابلس الاسلامية ما يلي: اتخذ الشيخ محمود الصايغ دكاناً صغيراً في سوق العطارين، كان مجمعاً علمياً يتردد عليه علماء طرابلس ومفتيها وشيوخها حتى صار منتدى لهم، وكان الدكان يضيق بالشيوخ الذين تجمعهم المحبة للحاج محمود ومنهم الشيخ محمود منقارة الذي كان ضخم الجسم، يأتي من التبانة الى دكان الصايغ وهو يتصبب عرقاً في الصيف، فيجد الدكان وقد أغلق بشبكة من الخيطان مما يدل على عدم وجود صاحبه فيسرع الجيران ويرفعون ليدخل الشيخ ويجلس، وكانت كل المحلات عندما يغيب اصحابها يستعملون هذه الشبكة الخفيفة البسيطة، وهذا ان دل على شيء فإنه يدل على الامان والثقة.
ولد الشيخ محمود عبد القادر منقارة في طرابلس، ولم يؤرخ أحدٌ لسنة ولادته، ولكن معاصريه يقولون أنه عاش أكثر من مئة سنة، وكانت وفاته سنة 1932. تلقى علومه على يد الشيخ محمود نشابه ثم إلتحق بالأزهر الشريف وبرع بعلم الفقه، وتولى الإمامة والتدريس في جامع العطار، وكان من طلابه ابن خالته الشيخ محي الدين الخطيب وغيره.
ومترجمنا ينتمي الى أسرة منقارة المعروفة التي تعود بأصولها الى آل العطار في دمشق وقدوم جدهم الأعلى كان في القرن السادس عشر. ويقول معالي الدكتور سامي منقارة أنهم جاؤوا من بلدة قارة قرب النبك بين حمص ودمشق ودمجت (من) مع (قاره) فكانت منقاره، وكان الحاج عبد الله أول من قدم طرابلس يتعاطى التجارة، وأعجبته المدينة فسكن فيها وتزوج فتاة طرابلسية وتلبسه اللقب، في حين ان سميه أحمد سامي منقارة وهو الجد الأقرب كان محافظاً لجزيرة أرواد زمن العثمانيين وأصيب بالملاريا وتوفي ودفن هناك.

رحم الله الشيخ محمود الذي ترك لنا زاداً أخلاقياً كبيراً، فقد كان يؤمن بأن الدين حسن المعاملة، وكل من عرف الشيخ الفاضل يفاخر بهذه المعرفة، وأهل طرابلس كانوا يفخرون بأبنهم وشيخهم وبانتمائه الى هذا البلد.

 

التصنيفات
من علماء طرابلس

الشيخ منير الملك

الشيخ منير ملك 

الأستاذ معتز مطرجي

 

    من أحاديث العرب: لا حسد إلا في اثنين، رجل آتاه الله القرآن، فهو يتلوه آناء الليل والنهار، ورجل آتاه الله ملكة الخطابة وفصاحة اللسان ويعظ في الناس.

ومن الأقوال المأثورة: رحم الله عبداً قصر من لفظه، ورشق الأرض بلحظة، ووعى القول بحفظه.

والشيخ منير رحمه الله هو من هؤلاء الرجال، الذي اتصف بهذه الصفات.

لقد نضجت ثقافة مترجمنا الدينية والأدبية في ظل المجالس التي كان يحضرها في الجامع المنصوري الكبير لا سيما مجالس العلامة الشيخ محمد ابراهيم الحسيني، بحيث غدت واحات فكرية وأدبية ومدارس يتثقف فيها طالب العلم، ويتهذب فيها من رغب، وتشتد فيها عناية من يشترك، فيعظم حظه في المعرفة ويزداد علمه سعة وعمقاً. وكان لتلك المجالس تأثيراتها البالغة والمهمة.

الشيخ منير الملك، رجل الدين العالم، والأديب النثري الناظم، والصوفي التقي الذاكر، والخطيب البليغ صاحب البيان، والصحافي الناقد اللاذع، ورجل الشهامة والإغاثة والأخلاق.

ولد في طرابلس سنة 1884 وأخذ العلم عن مشايخها وقصد عاصمة الخلافة العثمانية وهو في العشرين من عمره لدراسة الحقوق، ومكث فيها ثلاث سنوات، عاد بعدها إلى طرابلس لممارسة مهنة المحاماة، ثم أصدر جريدة “المدلل” لتكون منبراً لآرائه في شؤون الإصلاح الديني والاجتماعي والسياسي، وقد انتشرت انتشاراً واسعاً خصوصاً بعد تصديه للعلامة الشيخ عبد القادر المغربي، وشن الحملات العنيفة عليه لدعوته إلى سفور المرأة، متابعاً في ذلك خطى قاسم أمين في مصر ولمعارضته لسياسة السلطان عبد الحميد.

شارك مترجمنا في الحياة السياسية قبل الحرب العالمية الأولى وكان في صلب الأحداث العامة، فلما أعلن الفرنسيون دولة لبنان الكبير عارض بشدة انضمام طرابلس اليها وطالب بالالتحاق بالوحدة السورية في عريضة وجهها بتاريخ 14 أيار 1913 إلى رئيس المجلس النيابي يوسف نمور بإسم “الأمة الطرابلسية” تحمل توقيعه وتواقيع ثلاثة من وجهاء طرابلس هم: حسين عويضة، أحمد الرافعي وعبد اللطيف سلطان، حسبما جاء في وثائق المؤتمر العربي الأول سنة 1913. وبعد الحرب ترك المحاماة والصحافة وعُيّن مديراً للأحوال الشخصية في عكار وصافيتا، ثم نائباً للإفتاء في طرابلس، ورئيساً للمجلسين العلمي والإداري لأوقاف طرابلس الإسلامية، وإماماً للجامع الكبير في الميناء، وقد اتخذ من هذا الجامع زاوية للطريقة المولوية التي نال الإجازة فيها، فكان يربي المريدين ويشرف على حلقات الذكر التي كانت تقام في الجامع، ولعل أشهر هذه الحلقات هي التي كانت تقام في السابع والعشرين من شهر رمضان، حيث يصادف ليلة القدر، وهي ذكرى نزول الوحي على الرسول الكريم، عليه أفضل الصلاة والتسليم، كما جاء في موسوعة علماء المسلمين للمؤرخ الدكتور عمر تدمري.

لقد تأصل شيخنا في فن الكتابة والخطابة، ويُذكر أنه أنشأ بعض الخطب وهو في مقتبل العمر، وكان كلامه فيها لا يخلو من الجزالة والصفاء في شيء، وتحدث معاصروه عنه وأفردوا الصفحات، وأهم ما يمكن أن يطالعنا في خطبه أنها كانت خطباً إرشادية تعليمية تثقيفية، نحا في صياغته وأسلوبه نحو من سبقه إلى هذا الفن الذي كان شائعاً معروفاً في عصور الازدهار وغدا فيه متألقاً، وكان يشعرنا أدبه أنه ذو قدرة في تأليف معانيه واختيار ألفاظه وفي التوصّل إلى أهدافه.

في سنة 1947 توفي الشيخ محمد منير الملك، عن عمر ناهز الثالثة والستين، وكان يوم وفاته مشهوداً في تاريخ طرابلس والميناء، فأقفلت المتاجر والمعاهد والمدارس أبوابها، وأقيم له مأتم حاشد وجنازة لم تشهد طرابلس مثيلاً لها، وتبارى الخطباء في رثائه، وفي مقدمتهم سماحة الشيخ عبد القادر عويضة الذي نظم هذه الأبيات وأرّخ بحساب الأرقام الشعرية (الجُمَل):

فُجع الإسلام بالبدر المنير ملك الإرشاد والفضل الكبيرْ

من به الفيحاء والمينا معاً بهُداه حازتا الخير الكثيرْ

طُرُق القوم عليه قد بكت وهو شيخ الكل بالدمع الغزيرْ

سارت الأملاك في مشهده ومشى فيه أمير ووزيرْ

وجنات الخُلد من تاريخه في سماها أشرق البدر المنيرْ

إن أقل ما يقال في الشيخ الجليل، هو أنه شغل أذهان العامة كما شغل أذهان

رجال الدين والعلم في وقته، لأنه كان يخاطب المشاعر والأفكار والقلوب

والعقول، ويصل إلى كل نقطة تفكير أو بقعة إحساس في الإنسان. رحمه الله

 

 

 

 

 

 

 

التصنيفات
من علماء طرابلس

الشيخ محمد أمين عز الدين

الشيخ محمد أمين عز الدين

 

الأستاذ معتز مطرجي

 

   من الأقوال المأثورة: أن الإنسان لا يصير عالماً إلا بخمس: غريزة محتملة للعلم، وعناية تامة، وكفاية قائمة، واستنباط صحيح، ومعلم فصيح.

   وقد جمع مترجمُنا كل هذه الصفات وغدا مرجعاً للكثير من الأئمة ورجال الدين، فهو العلاّمة المحقق، والبحّاثة المدقِّق، والحافظ المحدث، الضليع في الفقه، البليغ في اللغة، المجيد في الشعر، المتحلّل من القيود، المتملّص من الأغلال ضمن النصوص الصريحة، والسنن الصحيحة، فتفتّح على الحياة الحديثة حتى وصفوه بالشيخ حسين الجسر، الذي أخذ عنه وانتفع بصحبته، وكان رحمه الله الى جانب ذلك يجيد لغته الأم مع اللغتين التركية والفرنسية.
ولد محمد أمين بن ابراهيم عز الدين في طرابلس، سنة 1874 ونشأ فيها، وتلقى علومه الدينية واللغوية على الشيخ محي الدين الخطيب، ثم دخل المدرسة الوطنية التي أسسها الشيخ حسين الجسر بتمويل من الثري غنوم آغا الضناوي، وعندما لمس أستاذُه النبوغ المبكر والألمعية الظاهرة، طلب من والده إرساله الى عاصمة الخلافة لدراسة الحقوق، فغادر الى الإستانة مصحوباً بتوصية من الشيخ الجسر الى شيخ الإسلام في استانبول، فأكرم هذا وفادته وأحسن رعايته، وخصص له منحة شهرية مقدارها خمس ليرات عثمانية، تقديراً وتشجيعاً له، كواحد من الأوائل في العلوم الدينية وخصوصاً في الفقه.

بعد تخرّجه من كلية الحقوق، عاد الى طرابلس ليفتح مكتب محاماة إستمر فيه الى أن تولّى منصب القضاء في أوائل عهد الإنتداب عام 1920، فكان أول قاضٍ طرابلسي بعد رحيل آخر قاضٍ تركي إنسحب مع من إنسحبوا من الموظفين الأتراك قبل دخول الفرنسيين طرابلس، واستمر الشيخ أمين في منصبه قاضياً حتى سنة 1936، حين تولى زمام القضاء الشرعي، الشيخ نديم الجسر، وقد تعاون الشيخ أمين خلال عمله، محامياً ثم قاضياً مع الشيخ محمد يمن الجسر رئيس مجلس الشيوخ اللبناني، ثم مجلس النواب والمرشح القوي لرئاسة الجمهورية، وكان تعاونهما وثيقاً لخدمة أبناء المدينة.

زاول الشيخ أمين التدريس بالمدارس الرسمية، وفي الجامع المنصوري الكبير وبمسجد السيد عبد الواحد المكناسي، وكان درسه مشغولاً بتفسير القرآن الكريم بطريقة محبَّبة وسهلة، وكانت حلقة درسه تغصُّ بالمصلين وطلبة العلم، كما ذكر الأستاذ الدكتور عمر تدمري في موسوعته “علماء المسلمين”، وعمل خطيباً في جامع الأويسية، كما تولّى رئاسة الجمعية الخيرية الإسلامية حوالي العشرين سنة، ومن أهم منجزاته خلالها، إنشاء القسم الشرعي التابع للجمعية في كلية التربية والتعليم الاسلامية، وقد عزّز منهجه فأدخل تدريس العلوم العصرية واللغة الفرنسية.

ترك الشيخ أمين مجموعة من المؤلفات الدينية وقصائد كثيرة لم تُجمع في ديوان. من كتبه المطبوعة:

1 – الأمان في مولد سيد ولد عدنان.

2 – الأعمال والمصالح في أصول الأديان وشرائع العمران
ومن شعره الجيد هذا التخميس لقصيدة:

أنا واللهِ يا اخِلاّيا صبُّ ليس لي غير التواصل طِبُّ

بلّغوا الظاعنين أنّي مُحِبُّ عوّدوني الوصال والوصلُ عذبُ

ورموني بالصدّ والصَدُّ صعبُ

أتُراهم يدرون ما نابَ جسمي حين جَدّوا الثرى ومُعضَل سُقمي

يا بروحي أفديهمُ وبأُمي زعموا حين عاتبوا أنّ جُرحي

فرطُ حبي لهم وما ذاك ذنبُ

إن قلبي بهم شديد المراقي كاد بالحبّ أن يجُسَّ التراقي

هل يجوز الإعراض عن ذي اشتياقِ لا وحُسن الخضوع عند التلاقي

ما جزاءُ المحبّ إلا يُحَبُّ

مسيرة الشيخ محمد أمين عز الدين تلخِّص الحياة الدينية والاجتماعية في طرابلس، خلال نصف قرن، وفي أواخر عمره ضعف جسمُه واشتد ورعُه، وخفّ بصرُه وبقيت بصيرتُه، وكان قد سكن بيروت الى أن توفاه الله عام 1968 عن عمر يناهز الرابعة والتسعين.