تراث طرابلس

التصنيفات
من علماء طرابلس

الشيخ عبد الغني الرافعي

الشيخ عبد الغني الرافعي

(1816-1890م)

  الفقيه والقاضي والشاعر

  ولد الشيخ عبد الغني بن أحمد بن عبد القادر الرافعي في طرابلس وتلقى العلم على أشياخها: الشيخ مصطفى الحفار، والشيخ إبراهيم الزيلعي، والشيخ نجيب الزعبي القادري. ثم سافر إلى دمشق وأخذ عن علمائها أمثال الشيخ عبد الرحمن الكزبري والشيخ عبد الله الحلبي. وبعدها سافر إلى مكة لأداء فريضة الحج، وهناك أخذ العلم عن الشيخ محمد الكتبي مفتي مكة.

  وبعودته إلى طرابلس سلك الخلوتية على يد أستاذه الشيخ محمد رشيد الميقاتي. وانقطع للتدريس في الجامع الكبير المنصوري حيث تخرج عليه كثيرون منهم الشيخ إبراهيم الأحدب.

  وتولى الشيخ عبد الغني الرافعي الإفتاء في مدينة طرابلس لمدة ثلاث سنوات، لكنه ترك الإفتاء لوشاية أوقع الوشاة بها بينه وبين متصرف طرابلس، وسافر إلى مصر حيث اتصل بعلمائها فأعجبوا به و “لقبوه بعالم الشام”.

  ومن هنا توجه إلى استانبول حيث قلده شيخ الإسلام نيابة (تعز) باليمن، ثم عيّن رئيساً لمحكمة الاستئناف في ولاية صنعاء. وفي صنعاء كان يعقد مجالس العلم التي كان يرتادها علماء المدينة من الزيدية. وقد أفاد من هذه المجالس، من مناظرة علماء الزيدية كما من اطلاعه على المصنفات الموجودة في خزائن صنعاء.

  وعندما عاد إلى طرابلس راح يقيم في بهو داره حلقات الدرس التي يحضرها خيرة طلاب المدينة. وغلب عليه التصوف في أواخر أيامه فانقطع للعبادة وظل على هذه الحال إلى أن وافاه الأجل في مكة بعلّة الهواء الأصفر العام 1307هـ/1890م.

 

 

مؤلفاته

1- رسالة إشراق الأنوار في إطلاق العذار. لا مط. لا ت. وهي قسمان: في الأول يعلل ضرورة الالتحاء ووجوبه شرعاً. وفي الثاني يجمع طائفة من القصائد لشعراء قدامى ومعاصرين قيلت في العذار وصاحبه مدحاً وتغزلاً وتشجيعاً.

2- ترصيع الجواهر المكية في تزكية الأخلاق المرضية. وهو في التصوف، المطبعة العامرة الشرقية، مصر 1301هـ، 73 صفحة.

3- أسرار الاعتبار فيما أودعه الله تعالى من الحكم في الأشجار.

4- شرح على بديعية صفي الدين الحلي في الأدب في مجلد ضخم.

  وله غير ذلك: تعليق على حاشية ابن عابدين. ورسائل في فنون شتى ومجموعة من الفتاوى. ومقالة بديعة أنشأها حين زار بخعون من قرى الضنية.

 

التصنيفات
من علماء طرابلس

الشيخ حسين الجسر

الشيخ حسين الجسر

(1845-1909)

  المصلح الاجتماعي والمفكر التربوي:

  هو ابن الشيخ محمد الجسر المعروف “بأبي الأحوال” الذي ترك طرابلس هرباً من المصريين والتجأ أولاً إلى قبرص ثم إلى استامبول واقترن فيها بالسيدة التي أنجبت حسيناً. وفي السنة التي ولد فيها حسين توفي والده وهو في فلسطين فنشأ حسين يتيماً. وقد اجتهد فيما بعد، ليتعرف إلى والده من خلال من كان يعرفه وسجل ما سمعه منهم في كتاب سمّاه “سيرة حياة أبي الأحوال”. وفي العاشرة من عمره فقد والدته، إلا أن تربيته، لم تتأثر كثيراً بفقد والديه، فقد نشأ في رعاية عمه الذي سهر على تعليمه. وبين العاشرة والثامنة عشرة من عمره، أتيح له أن يدرس على أيدي بعض المشايخ أمثال أحمد عبد الجليل، وصهريه عبد القادر وعبد الرزاق الرافعيين والشيخ عرابي. فلما أنهى هذه المرحلة سافر إلى الأزهر على غرار كثير من أبناء مدينته، حيث مكث في أرجائه أربع سنوات ونصف السنة، بشكل متواصل ودون انقطاع.

  وكان قبل وصوله القاهرة، أقام حسين أياماً في بيروت في ضيافة مفتيها آنذاك الشيخ محمد افندي الطرابلسي وكان تلميذاً لوالده، وهناك التقى بالمتصرف الذي نصحه بالاهتمام للعلوم العقلية كالمنطق والحكمة والفلسفة التي يحتاج إليها معظم العلماء. وقد أخذ حسين بهذه النصيحة.. الأمر الذي مكنه من مناظرة العلماء من غير المسلمين عندما نشر رسالته الحميدية.

  وفي الأزهر كان للشيخ حسين المرصفي تأثير بعيد على أفكار التلميذ الجسر الذي لازمه واستمع إلى دروسه، وذلك من خلال تدريسه لمقدمة ابن خلدون التي منحت حسيناً عناصر وأدوات لتحليل المجتمع، ومن خلال ما كان يدور على لسانه من مصطلحات حديثة بدأت تستخدمها الأقلام آنذاك من مثل: الحرية والعدالة والوطن والسياسة.. ومن خلال اهتمامه للدور الإصلاحي الذي يمكن أن تنهض به التربية في المجتمع.

  وكان في نية حسين الجسر البقاء عشرين عاماً في الأزهر، حتى يتابع تحصيله لولا.. رسالة وصلته من طرابلس تدعوه إلى العودة بسبب مرض عمه الشديد. وبعد عودته بقليل توفي عمه فاضطر حسين إلى أن يتحمل أعباء العائلة المعيشية والروحية..

  كان والد حسين وعمه على الطريقة الخلواتية، فلما عاد إلى طرابلس 1867 خلف أباه وعمه في رئاسته الطريقة، وقام بما ترتب عليه من عقد الحلقات الصوفية في داره. وفي الوقت عينه انصرف إلى التعليم فبدأ بإعطاء الدروس في المدرسة الرجبية في الجامع المنصوري الكبير. ومكث في ذلك عشر سنوات، لا يشتغل سوى بالتعليم وبإحياء حلقات الطريقة الخلوتية. وكانت فكرة إنشاء مدرسة عصرية قد راودته منذ زمن طويل. فأقدم في العام 1880 على إنشاء المدرسة الوطنية التي حظيت بتأييد من المصلحين مدحت باشا وحمدي باشا. وقد شهدت المدرسة إقبالاً شديداً لتميزها عن سائر المدارس التي كانت قائمة آنذاك. فهي كانت المدرسة الإسلامية الأولى في طرابلس التي شاءت أن تدرس العلوم الحديثة. وكان من تلامدتها رشيد رضا وعبد القادر المغربي وعبد المجيد المغربي واسماعيل الحافظ وعبد الكريم عويضة.

  وكانت المدرسة تدرس: العلوم الدينية (تفسير وحديث وفقه وعبادات وتوحيد) وعلوم الآلة (نحو وصرف ولغة وبيان ومعاني وإنشاء وأدب وعروض) والعلوم الفنية (منطق وحساب وجغرافية وهندسة) والقانون العثماني واللغات (التركية والفرنسية قراءة وكتابة).

  وقد أشاد رشيد رضا- في ما بعد- بأثر هذه المدرسة. ومما قاله عن شيخه الجسر: “وكان أستاذنا العلامة الشيخ حسين الجسر الأزهري هو المدير لها بعد أن كان هو الذي سعى لتأسيسها، لأن رأيه أن الأمة الإسلامية لا تصلح وترقى إلا بالجمع بين علوم الدين وعلوم الدنيا على الطريقة العصرية الأوروبية مع التربية الإسلامية الوطنية تجاه التربية الأجنبية في مدارس الدول الأوروبية والأميركانية..”.

  غير أن المدرسة لم تستطع الاستمرار لأسباب متعددة ومتداخلة بينها حسد بعض علماء المدينة الذين مكروا به (بالشيخ حسين) لدى أولياء الأمر، وبينها كذلك عدم قبول الدولة عدّها من المدارس الدينية التي يعفى طلابها من الخدمة العسكرية وبينها تراجع الأجواء الإصلاحية بعد تعليق الدستور في العام 1876. فكان ذلك سبباً لإلغائها.

  وبعد إغلاق المدرسة الوطنية انتقل الشيخ حسين إلى بيروت ليدير المدرسة السلطانية فيها. وقد أفاد كثيراً من إقامته في بيروت إذ أتيح له أن يكثّف اطلاعاته على العلوم العصرية والنظريات الحديثة من خلال الكتب التي كان يطالعها في مكتبة الكلية الانجيلية السورية.. وأن يكون على اتصال بالشيخ محمد عبده المصري الذي كان يلقي محاضرات على طلبة المدرسة السلطانية، الأمر الذي مهّد لصدور رسالته المعروفة برسالة التوحيد والتي يدافع فيها عن التوحيد الإسلامي ومقارعة النظريات الحديثة.

  وفي بيروت أمضى الشيخ حسين فترة قصيرة نسبياً عاد بعدها إلى طرابلس ليرجع إلى التدريس والكتابة والتأليف 1883، وأمضى خمس سنوات على هذا المنوال حتى العام 1888 حين صدر له أول كتبه: “نزهة الفكر في مناقب مولانا الشيخ محمد الجسر” وكذلك “الرسالة الحميدية في حقيقة الديانة الإسلامية وحقيقة الشريعة المحمدية”.

  ويبدو أن الرسالة الحميدية جلبت له الشهرة فانتشرت نسخها في بلاد الشام ومصر وغيرها من الأقطار الإسلامية، واتصل خبرها بالسلطان عبد الحميد الثاني فاستدعاه للإقامة في استامبول فلبى الدعوة وأقام فيها تسعة أشهر أمضاها في تأليف رسالة متممة للرسالة الأولى. ودعاها “الحصون الحميدية للمحافظة على العقائد الإسلامية”. وأفاد الشيخ حسين من إقامته في عاصمة السلطنة فاستحصل على رخصة بإصدار جريدة طرابلس لأحد معارفه من أبناء المدينة محمد كامل البحيري، وكان ذلك في العام 1893. فلما عاد إلى طرابلس أمضى أغلب سنوات حياته في كتابة افتتاحيات الجريدة وفي المطالعة والتأليف والعبادة. وقد جمعت افتتاحياته في عشر مجلدات باسم “رياض طرابلس”.

  ووافته المنية في العام 1909 بعد أن ترك مجموعة من المؤلفات والرسائل منها المطبوع ومنها المخطوط.

المؤلفات المطبوعة

1- الرسالة الحميدية في حقيقة الديانة الإسلامية وحقيقة الشريعة المحمدية. بيروت 1305هـ 524 صفحة (وفي أولها ترجمة حياته، وطبعة ثانية 1933 وطبعت مؤخراً بتحقيق د. خالد زيادة وتقديمه. منشورات جروس برس، طرابلس والمكتبة الحديثة في 354 صفحة بدون تاريخ).

2- الحصون الحميدية للمحافظة على العقائد الإسلامية. طبعت بالمطبعة العامرة المليحية 1328هـ

1510 صفحة من القطع الصغير وطبعة ثانية في مطبعة مصطفى البابي الحلبي مصر، 1955، في 160 صفحة.

3- العلوم الحكمية في نظر الشريعة الإسلامية.

4- البدر التمام في مولد سيد الأنام.

5- مهذب الدين.

6- هدية الألباب في جواهر الآداب، بيروت، 1289هـ في 8 صفحات.

7- تربية المصونة.

8- التوفير والاقتصاد.

9- حكمة الشعر.

10- إشارة الطاعة في صلاة الجمعة.

11- تربية الأطفال سعادة النساء والرجال وعموم الشعب في المآل.

12- تعدد الزوجات.

13- الأدبيات.

14- كلمات لغوية.

15- رياض طرابلس الشام (مجموعة مقولات في جريدة طرابلس في عشرة أجزاء.

16- نزهة الفكر في مناقب الشيخ محمد الجسر، طبع في المطبعة الأدبية في بيروت، 1306هـ في 271 صفحة.

المؤلفات غير المطبوعة

1- العقيدة الإسلامية والعقيدة النصرانية والمناظرة بينهما باستدلال من كتبهما.

2- القرآن الكريم وعدم التباسه.

3- بنات الأفكار في كشف حقيقة الكيمياء ومشارق الأنوار.

4- الذخائر في الفلسفة الإسلامية.

5- الكواكب الدرية في العلوم الأدبية.

6- رسالة في صدقة الفطر.

7- ذخيرة الميعاد في فضائل الجهاد.

8- خديجة وبثينة.

9- رسالة في آداب البحث والمناظرة.

10- مجموعة في خطب الجمعة.

11- مجموعة من الشعر (1375 بيتاً).

فكره التربوي والاجتماعي

  آمن الشيخ حسين بأن التربية هي الطريق إلى إصلاح ما فسد من أحوال الأمة.. وانسحب في ذلك على أذيال أستاذه في الأزهر الشيخ حسين المرصفي. والفكرة كانت شائعة بين متنوري عصر النهضة أمثال الطهطاوي وعلي مبارك وغيرهما.

  برز اهتمامه بالتربية في الأعداد الأولى من جريدة طرابلس ونشر في أعدادها الأولى كتابه الذي يحمل العنوان التالي: “تربية الأطفال سعادة النساء والرجال وعموم الشعب في المآل”. فقد رأى “أن حسن تربية آحاد الشعب ذكوراً وإناثاً أغنياء وفقراء وتعميم ذلك فيهم ينتج عنه حسن تربية الهيئة الاجتماعية، أعني الأمة بتمامها فإن مجموع الشعب ليس إلا مركباً من آحاده وأفراده”.

  كما رأى بأنها يجب أن تطول أفراد المجتمع كافة دون تمييز وأنها فنّ أي علم قائم بذاته وأنها “تنمية الأعضاء الحسيّة والقوى العقلية وطريقة تهذيب النوع الإنساني ذكراً وأنثى على طبق أصول معروفة يستفيد منها الطفل هيئة ثابتة يتخذها عادة وشأناً واستنارة عقله بالمعارف المعقولة والمقبولة”.

  ويقسم الشيخ حسين التربية قسمين: حسية ومعنوية. “فالحسية تتجه إلى الجسد والعناية بالأطفال، والمعنوية تربي الأخلاق وتحصنها من الرذائل والخصال غير المقبولة، وفيها تربية العقل بتنميته بالعلوم الشرعية والمعارف العقلية وتحليته بالكمالات السامية والفضائل العالية”.

  ويرى بعد تقليب الأمر على وجوهه المختلفة، “أن تربية البنات من أسباب سعادة الشعوب وعليها مدار النجاح وقوام الاصلاح..”.

  وهو يعتقد بأن التعليم والتربية أساسان لنهضة الأمة. فالغرب إنما تقدم عن هذا الطريق وسبب تقدمه “انتشار المعارف بينهم وتعميمها بين الكبير والصغير والغني والفقير والعظيم والحقير”.

  وهو يحذو، في نظرته إلى تقدم الغرب وضرورة التوفيق بين الإسلام وحسنات التقدم الغربي، حذو كبار مفكري الإسلام في عصره. فالتقدم الغربي أمر واقع ولا بد من الأخذ به.. مع التمسك بديننا.

  ويرى بأن بإمكان المسلمين الاستعانة بما وصل إليه الغرب واتخاذه أساساً للبناء عليه، توفيراً للوقت والجهد، “فالطفرة من المحال العادي فلا نحاول خرق العادة ونسلك سبيل العجلة”.

  ويؤكد الشيخ حسين أن الانفتاح على علوم أوروبا أمر لا مناص منه فيتساءل: ما الذي يمنعنا من إقامة مدرسة صنائع يدوية، ويدعو أهل زمانه قائلاً: شيّدوا المدارس وانصروا الصنائع واجلبوا الفبريقات لعمل البضائع واجتهدوا..

  ولم ينسى أن يؤكد على الجانب الأخلاقي حسب التصور الإسلامي لمفهومه التربوي ولإصلاحه الاجتماعي. معتقداً بأن المشكلة الأخلاقية هي أصل المشاكل المعاصرة.

فكره السياسي

  كان الشيخ حسين من مؤيدي السلطان عبد الحميد الثاني لوقوفه في وجه مطامع الدول الأوروبية بالاستيلاء على مناطق الدولة الإسلامية. فالسلطان وقف مدافعاً عن الدولة عاملاً على وحدة الأمة الإسلامية، وقد اكتسب إعجاب العدد الكبير من متنوري عصره الثائرين بمن فيهم الأفغاني وعبده وأديب اسحق ومصطفى كامل.

  والمدافعة عن السلطان بالنسبة لهؤلاء، وللشيخ الجسر، ليست إلا دفاعاً عن المسلمين في وجه أعدائهم من الأوروبيين الذين كانوا يسعون إلى قضم أقاليم الدولة العثمانية اقليماً بعد آخر.

  وكان يرى أن الخلافة لها المنزلة العليا في المذهب الإسلامي: فالإسلام والسلطان توأمان كل واحد منهما لا يصلح إلا بصاحبه. الإسلام أساس والسلطان حارس.

  ولم يكن الشيخ حسين غافلاً عن دسائس الأجانب وسعيهم إلى تفتيت الوحدة السياسية للأمة حسب مفهومه.. يقول: “لم يزل الأجنبي الحسود الطماع يسعى إلى إلقاء المفاسد بين رعايا دولتنا العلية حتى يغتنم غنيمة جديدة، أو يرفع المطالبة عنه في غنيمة غصبها قديماً”. “ولهذا كان يعمل على تنمية روابط الألفة بين العثمانيين من المذاهب المختلفة خوفاً من أن تعمل الدعايات الأجنبية عملها وتبلغ غرضها في خلق الانفصال داخل الأمة التي يريدها موحدة.

  وكان مؤيدي التنظيمات الحديثة التي أعلنها السلاطين في استامبول خلال القرن التاسع عشر والتي أعطت الاعتبار الأول للمواطنية وقدمته على اعتبارات الانتماء الديني في حقوق الأفراد المدنية.

  غير أن الشيخ حسين لم يكن يملك برنامجاً للاصلاح بالرغم من معرفته بأزمات الدولة العميقة، وما تواجهه من تقهقر في الداخل ومطامع في الخارج. ولقد عوّل الكثير على إنشاء الخطوط الحديدية التي كانت في رأيه- الضمانة المادية- لتحقيق الوحدة الإسلامية وترجمتها بشكل عملي وواقعي، كما أمل أن تكون مدينة طرابلس مركزاً لمحطة سكك حديدية تنطلق منها وإليها القطارات فتزدهر أحوالها الاقتصادية.

  ولم يكن الشيخ حسين مقتنعاً بالدور الذي يجب أن يعطى للعامة في إصلاح الأحوال والتغيير السياسي. لذلك ابتعد عن سياسة التحريض والعمل العام، والاشتغال بشؤؤن السياسية وصراعات عصره.

  وقد عاب عليه بعضهم شدة تحفظه وتهيبه الخوض في الأمور العامة وابتعاده عن المشاركة في العمل السياسي، على احترامهم الشديد لعلمه فقد قال فيه تلميذه الشيخ عبد القادر المغربي: “كان مصلحاً دينياً دقيق النظر لكنه مع هذا بقي طول حياته محافظاً شديد الحذر”.

فكره الديني

  أثناء إقامة الشيخ حسين في بيروت مديراً للمدرسة السلطانية فيها أتيح له أن يطلع على ترجمات عربية لبعض المؤلفات العلمية، ولا سيما في مكتبة الكلية الانجيلية السورية (الجامعة الأميركية فيما بعد).

  وفي كتابه المعروف باسم “الرسالة الحميدية” حاول الشيخ حسين أن يرد على بعض النظريات الحديثة التي تعرّف إليها من خلال المؤلفات التي تمت ترجمتها، ومن خلال الصحف التي كانت تكثر آنذاك من عرض الاكتشافات الحديثة وتلخيص النظريات المعاصرة الناشئة في أوروبا. وهو أراد التأكيد على كون الدعوة المحمدية دعوة “صحيحة” في الأصل وأن الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان. فإذا كانت الاكتشافات العقلية العلمية تناقض ظاهرياً ما جاء في القرآن، فإن ذلك يعود إلى خطأ في تأويل النصوص الشرعية إذ إن هذه النصوص تتفق مع العقل، وهو يدعو الماديين إلى المذاكرة مع علماء الشريعة المتبحرين فيها العالمين بقواعدها المحيطين بما قاله أجلاّؤها في تفسير نصوصها.. ليعلموا أن ما من شيء منها إلا له انطباق صحيح على قانون العقل لا يخالفه بأدنى مخالفة.

  والشيخ حسين الجسر يسعى إلى التوفيق بين الإيمان والعلم، بل هو على استعداد لأن يقبل بكل نتائج العلم الحديث إذا ما اقر العلماء بأولوية الخالق. وليس الشيخ الجسر معادياً للعلم، بل على العكس من ذلك، إنه معنيّ بقضية الإيمان ونشره، فيدعو الماديين الطبيعيين إلى الإيمان، ويطعن بأصدقاء الدين الجهلة الذين يضرون قضية الدين.

  والشيخ الجسر يظهر في الرسالة الحميدية متكلماً فقهياً: فقد انبرى للرد على ما أثاره علماء الغرب من شبهات كثيرة تقوم على ان هذا المذهب مع تقدير صحته ليس من شأنه أن يتعارض مع القرآن.

  ومع أن الشيخ الجسر ليس عالماً وليس فيلسوفاً بالمعنى الدقيق للكلمة، فقد استطاع أن يكون على مستوى النقاش الذي تفرضه النظريات الحديثة بوجهيها العلمي والفلسفي. وهو متمرس بتقاليد المدرسة السنية الأشعرية، وهدف إلى إحياء تقاليد الفقهاء والمتكلمين المسلمين الكبار، ولم يسلّم بفتح باب الاجتهاد تفادياً للآراء الجاهلة والمغرضة في زمن قلّ فيه الورع وكثرت فيه الدعاوى الباطلة.

  هذا وقد تناول الشيخ الجسر في رسالته التي كتبها كمقال متواصل لا انقطاع فيه المسائل التالية:

– الدفاع عن العقيدة الإسلامية وتبيان صحتها

– شرح أركان الإسلام والإيمان

– الرد على النظريات الحديثة من وجهة نظر الإيمان

– تأسيس موقف إسلامي معاصر أو علم توحيد جديد

– الرد على بعض ما ينتقض به الإسلام

  وتثبت له من الرسالة الحميدية بيان أسباب تأليفها وتسميتها بالحميدية.

  بسم الله الرحمن الرحيم

  بيان أن سبب تأليف الرسالة ما حاوله بعض أحبار الانكليز من تقريب الدين الإسلامي لدينهم.

  الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد فيقول الفقير إلى عفو مولاه حسين بن محمد الجسر الطرابلسي: أنني في هذه الأثناء وجدت في جرائد بلادنا الشامية بعض مقالات مترجمة عن جرائد أورباوية منسوبة لبعض أحبار الانكليز المدعو اسحاق طيلر قد حاول فيها التوفيق بين معتقد الإسلام ومعتقد المسيحيين وإقامة الدلائل على تقاربهما وتشابه كتبهما، وأن الاختلاف بين الطائفتين ليس إلا في أمور غير جوهرية، وذكر في إحدى تلك المقالات أنه أتى البلاد المصرية لمخالطة الإسلام واستكشاف حقيقة دينهم لبلوغ هذه الغاية، وكلامه وإن كان صريحاً بهذا المقصد ولكنه يشف عن استحسان الدين الإسلامي ويرنو إلى دفع اعتراضات يوردها بعض أحبار بلاده على المسلمين فيعارضهم بورود أمثالها عليهم ويدعوهم للنصفة ولاعتبار الدين الإسلامي أول مساعد على تمدن الأمم المتوحشة التي يدعون حرصهم على تمدنها مستدلا بأن الذي شوهد في أفريقيا أن تلك الأمم هناك أسرع قبولاً للدين الإسلامي من سواه. وهو افعل في تهذيب أخلاقهم وتعزيز أنفسهم من كل ما عداه، وما ذاك إلا لمطابقته لصريح العقول وسهولة فهمه عليها، وقد انتشر هناك في هذه السنين انتشاراً غريباً مع عدم المبشرين به والداعين إليه، ومع ذلك كله فالناظر في كلام هذا القس لا يقطع بحقيقة مقصده وإن كان يتخيل للفكر أن بحثه في هذا الشأن للتوصل إلى كشف الحقيقة لبني جلدته وإقناعهم بالصواب، أعانه الله تعالى على عمله الذي يرضي الله تعالى وبلغه مقصده فيه، وبلغني أيضاً أن بعضاً آخر من رجال الإنكليز المتضلعين في اللغات والفنون قد سعى هذه الأيام ببناء معبد للإسلام في البلاد الإنكليزية وأنه يباشر هناك بنشر جريدة عربية ليكون جل مقصدها البحث عن حقيقة الدين الإسلامي وإشهار فضائله لدى غير العارفين بها وقد رغب الرجل بواسطة أحد أذكياء المسيحيين اللبنانيين الموجود الآن في لندن من بعض فضلاء بلدتنا أن تقدم بعض مقالات للجريدة المذكورة في هذا البحث الرفيع، وفقه الله لما فيه خير العالم الإنساني وما يرضي مولانا جل وعلا، وقد خطر لي حيث وجدت مجالاً للكلام وسميعاً للنداء أن أحرر رسالة يستبان منها حقيقة الدين الإسلامي وكيفية تحققه لمتبعيه على أسلوب جديد سهل الفهم لا تمله الأنفس ولا تستوعره الأفكار، يروق العقول الحرة ويعجب الأذهان المطلقة عن قيود التعصب إن شاء الله تعالى.

تسميتها بالحميدية نسبة لاسم الخليفة عبد الحميد رحمه الله تعالى

  وحيث إن الحامي للدين الإسلامي والمؤيد لشعائره، والمحافظ على أوامره هو حضرة مولانا أمير المؤمنين، وخليفة رب العالمين حامي حمى الإسلام، ومشيد أركان شريعة المصطفى عليه الصلاة والسلام السلطان الأعظم والخاقان الأفخم السلطان ابن السلطان السلطان الغازي عبد الحميد خان ابن السلطان الغازي عبد المجيد خان أدام الله أيامه، ونشر أعلامه، وأمده بالإمدادات الإلهية والتوفيقات الصمدانية فكان من كمال حظ هذه الرسالة وطالع سعدها الأكبر أن تكون لاسمه الكريم منسوبة، وفي صحائف حسناته مكتوبة إذ هي حسنة من حسنات عصره السعيد وقطرة من بحار تقدم رعاياه في منهج المعرفة والتسديد فسميتها الرسالة الحميدية في حقيقة الديانة الإسلامية وحقيقة الشريعة المحمدية فأسأل الله تعالى التوفيق لطرق الصواب وهداية قلوب ذوي الألباب للنظر في عاقبة يوم المآب إنه قريب مجيب، وهذا أوان الشروع بالمقصود بعون الملك المعبود.

 

 

   

 

 

 

 

  

 

 

 


[1]  – اعتمدنا أساساً على كتاب الدكتور خالد زيادة: الشيخ حسين الجسر. حياته وفكره، سلسلة أعلام طرابلس، دار الإنشاء للصحافة والطباعة والنشر، 1982، ط أولى.

التصنيفات
من علماء طرابلس

الشيخ اسماعيل الحافظ

الشيخ اسماعيل الحافظ

(؟-1940م)

  القاضي الفقيه والشاعر.

  هو نجل العلامة الشيخ عبد الحميد وحفيد العلامة الشيخ اسماعيل “ابن الشيخ أحمد الأحمدي نسبة إلى قبيلة بني أحمد أو إلى بلدة بني أحمد التابعة لمديرية المنيا من الأقاليم المصرية..”.

  وكان جده قد حفظ القرآن الكريم منذ صباه وأتقن أداءه ثم تلقى علومه في الجامع الأزهر على جماعة من مشاهير علمائه وتميز بين أقرانه بوفرة الذكاء وقوة الحافظة واستظهار كثير من متون العلم وأصوله”.

  وسلك الجد على شيخه العلامة أحمد الصاوي طريق الخلوتية التي كان سلوكها وسلوك أمثالها من طرق الصوفية من أعظم الوسائل لتربية النفس وتهذيب الأخلاق، وكان شيخه يلقبه بالحافظ تنويهاً بكثرة محفوظه فغلب عليه اللقب. وأجاز له شيخه نشر الطريقة الخلوتية في البلاد السورية. وبعد أداء فريضة الحج ومجاورته في مكة المكرمة عاد إلى طرابلس لينشر طريقته الصوفية وليدرس ويمارس الفتوى. وقد ذاع صيته، واختاره مفتي طرابلس آنذاك عبد الحميد كرامة أميناً للفتوى.

  وواظب الشيخ اسماعيل على التدريس فكان يقرئ الفقه والعلوم الأدبية والآلية في مدرسته المعروفة بالخاتونية.

  وترك الحافظ الجد حواشي وتعاليق على شرح الدر المختار في فقه الحنفية، ورسالة في علم الفرائض وفتاوى كثيرة، مع عدد من الخطب المنبرية، وبعض المقامات. وبعض القصائد في المديح والرثاء ضاع أكثرها. أما ولده الشيخ عبد الحميد والد الشيخ اسماعيل فكانت ولادته في العام 1270هـ. وقد تتلمذ على والده الذي حفظه بعض المتون ولقنه شيئاً من مبادئ العلوم، وبعد وفاة والده 1288هـ قرأ علم الفرائض على الشيخ اسماعيل الخطيب والعربية وشيئاً من فنون الأدب على الشيخ عبد الحميد الخطيب. ثم لازم دروس العلامة الشيخ عبد الرزاق الرافعي.. وكان بطبعه ميالاً إلى الأدب مكثراً من حفظ الخطب والأشعار. وتوفي وهو في مقتبل العمر عن ثلاث وثلاثين سنة (1303هـ) ولم يرزق إلا بولد واحد هو الشيخ إسماعيل الذي نترجم له.

  ولد الشيخ إسماعيل (الحفيد) في طرابلس ودرس فيها.

  “وقد تولى من المناصب الدينية أسماها بعد دراسة كثيرة وبحوث فياضة في العلوم والفنون، وعين عضواً في محكمة الاستئناف الشرعية في فلسطين. وكان عالماً يرجع إلى علمه في أكثر الشؤون الدينية والدنيوية، كما كان شاعراً بليغاً نظم كثيراً من القصائد. وقد توفاه الله في العام 1940”. كما جاء ذلك في الأعلام الشرقية لزكي محمد مجاهد، وأنجب ابناً هو الرئيس الدكتور أمين النائب ورئيس لجنة الشؤون الخارجية الأسبق في مجلس النواب اللبناني.

  وقال الميقاتي في كتابه “طرابلس في النصف الأول من القرن العشرين الميلادي” ص104-105.

  “كان شيخنا الحافظ على جانب كبير من العلم والفضل، وقد انقضت حياته في الوظائف الدينية العالية خارج طرابلس، حيث كان يشغل حتى تاريخ انسلاخ البلاد العربية عن السلطة العثمانية عضوية المجلس الإسلامي الأعلى في العاصمة استانبول. وبعد الحرب العمومية الأولى انتقل إلى طرابلس وتعاطى المحاماة، ثم انتقل إلى القدس، وتولّى رياسة محكمة الاستئناف الشرعية العليا، وبقي فيها إلى قبيل ولادة دولة اسرائيل، ثم عاد إلى طرابلس وتقاعد عن العمل حتى توفي”.

  وكان إلى جانب علمه وطنياً صلب العقيدة في عروبته، ساهم برزانة مع رجالات العرب في خدمة القضية العربية أيام المنتدى الأدبي في استنبول، وكانت روحه الصافية لا تميل إلى الجهر بآرائه الوطنية، وهذا ما أنجاه من نقمة الأتراك يوم أعدموا رفاقه، ومنهم: عبد الوهاب الإنكليزي، وعبد الحميد الزهراوي، وغيرهما من أحرار العرب. وكان ضد الانتداب الفرنسي وضد إلحاق طرابلس بدولة لبنان الكبير، ووقع على مذكرة الاحتجاج التي قدمها عدد من رجالات البلاد في العام 1923 إلى الجنرال ويغان.

 

 

التصنيفات
من علماء طرابلس

الشيخ أبو المحاسن القاوقجي

الشيخ أبو المحاسن القاوقجي

(1810-1887)

 

   أغزر علماء عصره في التصنيف والتأليف. شهرته أبو المحاسن وهو شمس الدين محمد بن إبراهيم القاوقجي. ولد في طرابلس في العام 1224هـ وتلقى علومه الابتدائية على مشايخها. ولما بلغ الخامسة عشر ربيعاً توجه إلى مصر طلباً للعلم في الأزهر ومجاوراً فيه. ومكث في الأزهر سبعاً وعشرين سنة يتلقى العلوم الدينية عن العلماء المحققين الذين ذكرهم في كتابه الموسوم (معدن اللآلي في الأسانيد العوالي) ثم عاد إلى طرابلس يدرس فيها ويعلم ويقيم حلقات الذكر. وقد تفقه ومهر القاوقجي في العلوم العقلية والنقلية. وبرع في علم الحديث والرواية، وكان خطيباً مفوّهاً ومنشئاً بليغاً وشاعراً وترك مؤلفات عديدة تزيد على مئتي مؤلف بين كبير وصغير طبع بعضها.

  كما قام بسياحة في القطر المصري وفي البلاد الحجازية والشامية. وتوفي القاوقجي في مكة وهو في زيارة الحج. وعمّر نيفاً وإحدى وثمانين سنة. وقد رثاه الشعراء أمثال الشيخ حسين الجسر والشيخ عبد الكريم عويضة والشيخ عبد الفتاح الزعبي والشيخ عبد اللطيف نشابه والشيخ صالح الرافعي وكذلك عبد القادر الأدهمي وعبد الغني الأدهمي وغيرهم.

  وقد ترجم له عبد القادر الأدهمي في كتابه (ترجمة قطب الواصلين) المطبعة الأدبية بيروت 1306هـ.

  وكان للشيخ القاوقجي تأثير كبير في ثقافة معاصريه الطرابلسيين الدينية والأدبية، فقد كان شيخاً لأكثر علمائهم الذين برزوا في تلك الفترة، سواء أتتلمذوا عليه في القاهرة أم في طرابلس، بعد عودته إليها.

تصوفه ومؤلفاته

وسلك أبو المحاسن طريق التصوف، وانتسب إلى الطريقة الشاذلية وأنشأ له ثلاث زوايا. الأولى في منزله في منطقة الدفتردار وسط المدينة والثانية في جامع الطحام إذ كان خطيب هذا الجامع وإمامه ومدرّسه والثالثة في الميناء.

  وتتناول مؤلفاته موضوعات مختلفة كالتصوف الذي خصه بأغلب هذه المؤلفات، والتفسير والحديث واللغة.

  وكان أبو المحاسن شاعراً، كما كان ناثراً مجيداً يذكرك نثره بنثر الكتّاب العرب البلغاء في العصر العباسي.

من مؤلفاته

1- شرح حزب سيدي إبراهيم الدسوقي، لا مط، 1302هـ.

2- المنتقى الأزهر على ملتقى الأبحر.

3- المقاصد السنية في آداب الصوفية.

4- الفيوضات القدسية. لا مط. لا ت. وصلوات السادة الدسوقية.

5- تحفة الملوك في السير والسلوك.

6- الدر الغالي على بدء الأمالي. المطبعة النصرية، شيين الكوم منوفية، 1317هـ.

7- اللؤلؤ المرصوع في الحديث الموضوع، المطبعة البارونية الجدرية بمصر. لا ت. كشف فيه النقاب عن الأحاديث الموضوعة والأكاذيب المنتشرة لدى بعض الجهلة والعامة التي تنسبها خطأ إلى الرسول. وقد طبع طبعة ثانية في منشورات دار البشائر الإسلامية وحققه وعلق عليه فواز أحمد زمرلي.

8- مفتاح الكنز الأفخر لمن أراد أن يصل إلى العلي الأكبر. القاهرة، لا مط. 1294هـ.

9- البدر المنير على حزب الشاذلي الكبير.

10- مولد البشير النذير. الطبعة الثانية، المطبعة النصرية، شيين الكوم، منوفية مصر، 1317هـ.

11- شرح على الكافي في علمي العروض والقوافي.

12- بغية الطالبين فيما يجب من أحكام الدين. 1322هـ. 110 صفحات، وهي رسالة في المذاهب الأربعة.

13- سفينة لنجاة في معرفة الله وأحكام الصلاة. طبعت مع الرسالة السابقة بنفقة خادم الأعتاب القادرية وأحد مريدي الطريقة الكيلانية السيد الحاج موسى بن السيد الحاج عبد العزيز كنج الطرابلسي الشامي عفي عنه. طبع سنة 1322هـ، من ص111-141.

14- الغرر الغالية على الأسانيد العالية.

15- شرح الأجرومية على لسان أهل التصوف.

16- تسهيل المسالك مختصر لموطأ الإمام مالك بن أنس.

17- مواهب الرحمن في خصائص القرآن.

18- خلاصة الزهر على حزب البحر، القاهرة، 1304هـ.

19- الاعتماد في الاعتقاد. القاهرة، 1926.

20- الذهب الإبريز على المعجم الوجيز. بيروت، 1310هـ. وفيه شرح للأحاديث النبوية.

  وقد ذكر له الدكتور محمد درنيقة مؤلفات أخرى في كتابه الطرق الصوفية. وأكثرها مخطوط لم يطبع.  

  

 

 

 

التصنيفات
من علماء طرابلس

الشيخ إبراهيم الأحدب

الشيخ إبراهيم الأحدب

(1826-1891م)

 

  جاء في موسوعة أعلام القرن الرابع عشر والخامس عشر لإبراهيم ابن عبد الله الحازمي[1] “كان من المشتغلين بالعلم والأدب ونظم الشعر، وكان سيال القلم وذا قريحة شعرية مع سرعة الخاطر ينظم القصيدة في جلسة واحدة. وبلغ ما نظمه نحو ثمانين ألف بيت من الشعر. وكان كثير المداراة، لين الجانب، بشوش الوجه، واسع الاطلاع في الفقه واللغة. وقد وعى كثيراً من أشعار المتقدمين وأقوالهم وأدبهم ونوادرهم”. وجاء مثله كذلك في موسوعة الأعلام الشرقية[2] .

مؤلفاته:

  بالإضافة إلى مسرحياته التي بلغ تعدادها نحواً من عشرين رواية تمثيلية بعضها مبتكر وبعضها مأخوذ من التاريخ الإسلامي، والآخر مقتبس عن اللغات الأوروبية[3] ترك الأحدب الآثار الآتية:

1. ديوان شعر نظمه في صباه ورتبه على ثمانية فصول.

2. ديوان “النفح المسكي في الشعر البيروني” المطبعة العمومية، بيروت، 1284 هـ، 232 صفحة.

3. ديوان آخر نظمه بعده 1284 هـ.

4. مقامات تبلغ ثمانين مقامة أملاها على لسان أبي عمر الدمشقي وأسند رواياتها إلى أبي المحاسن حسان الطرابلسي على نحو مقامات الحريري.

5. فرائد الأطواق في أجياد محاسن الأخلاق. تحتوي على مائة مقالة نثراً ونظماً على مثال مقامات الزمخشري.

6. فرائد اللآل في مجمع الأمثال: نظم فيه الأمثال التي جمعها الميداني في نحو ستة الآف بيت. وقد شرح هذا الكتاب في مجلدين وجعله خدمة لجلالة السلطان. وعني ولداه بطبع هذا الكتاب بعد موته، فجاء كتاباً ضخماً صفحاته تسعمائة صفحة كبيرة مطبوعة طبعاً جميلاً تلونت به الأمثال باللون الأحمر لتظهر وحدها دون سائرالنظم والشروح. المطبعة الكاثوليكية، بيروت، 1312 هـ، جزءان 380 و 418 صفحة.

7. تفصيل اللؤلؤ والمرجان في فصول الحكم والبيان. فيه مايتان وخمسون فصلاً في الحكم والآداب والنصائح.

8. نشوة الصهباء في صناعة الإنشاء.

9. إبداع الإبداء لفتح أبواب البناء في التصريف. مطبعة جمعية الفنون في بيروت 1299 هـ في 135 صفحة من القطع الصغير.

10. مهذب التهذيب في علم المنطق نظما.

11. ذيل على ثمرات الأوراق لابن حجة الحموي، طبع بهامش المستطرف وغيره، المطبعة الوهيبة بمصر 1300 هـ.195 صفحة.

12. كشف المعاني والبيان عن رسائل بديع الزمان. ألف هذا الشرح في أواخر أيامه وطبع بنفقة الأباء اليسوعيين، المطبعة الكاثولكية، بيروت 1890م وطبعه ثانية 1921م ، 545 صفحة.

13. الوسائل الأدبية في الرسائل الأحدبية.

14. وشي اليراعة في علوم البلاغة والبراعة. المطبعة العمومية، بيروت، 1286 هـ/ 1871م، 55 صفحة.

15. تحفة الرشيدية في علوم العربية. بيروت، 1285 هـ 89 صفحة. المطبعة العمومية، بيروت.

16. كشف الأرب عن سر الأدب. بيروت، مطبعة دار الفنون، 1293 هـ، 65 صفحة. 

 

 


[1]  دار الشريف، الطبعة الأولى، 1419 هـ، ص 132.

[2]  زكي محمد مجاهد: الأعلام الشرقية. نشر دار الغرب الاسلامي، الطبعة الثانية، بيروت، 1994، ص 249.

[3]  نزيه كبارة: المسرح في لبنان الشمالي، اصدار المجلس الثقافي للبنان الشمالي، نشر دار جروس برس، 1998، ص 59 و 60.

التصنيفات
من علماء طرابلس

الدكتور معن زيادة

الدكتور معن زيادة

(1938-1997)

  المفكر المناضل .

  معن زيادة (1938-1997) مفكر ومناضل، أستاذ جامعي رئيس قسم الفلسفة في كلية الآداب الجامعة اللبنانية. رئيس تحرير مجلة الفكر العربي رئيس تحرير الموسوعة الفلسفية العربية.

  ولد في طرابلس حي الحدادين، درس في مدارسها، ولم يكن تجاوز العاشرة حين شهد أرتال النازحين الفلسطينيين تصل إلى طرابلس بعد نكبة 1948، فيقيمون في المدارس والمساجد. وقد رأى أولئك الفلسطينيين الذين اسكنوا في جامع طينال الأثري. فأثر مشهدهم في نفسه، وأدرك وهو الحدث شدة معاناة من يجير على ترك وطنه، فبقيت الصورة في مخيلته وكانت دافعاً له للانخراط في النضال حتى وفاته.

  بدأ اهتمامه بالحياة السياسية والأفكار الوطنية منذ مرحلة الدراسة المتوسطة، حسبما يذكر في مذكراته “الفصول الأربعة”.

  “في المرحلة التكميلية (المتوسطة) بدأت الأفكار السياسية تغزو العقول الصغيرة شيئاً فشيئاً، بدأنا نسمع بحزب البعث العربي الاشتراكي، وحركة القوميين العرب والحزب القومي السوري الاجتماعي، بدأنا نسمع عن الصهيونية والشيوعية وغيرها..” (ص33 و34).

  وشارك في النشاطات الطلابية من إضرابات ومظاهرات دعماً للقضية الفلسطينية والقضية الجزائرية. وفي سن السادسة عشرة كان من بين ثلاثة شكلوا أول حلقة لحركة القوميين العرب في طرابلس. وبين عام 1956 الذي شهد العدوان الثلاثي على مصر، واندلاع حرب التحرير الجزائرية وعام 1958 الذي شهد الوحدة بين سوريا ومصر، كما شهد الثورة على حكومة الرئيس شمعون التي اختارت الانحياز إلى حلف بغداد، شغله العمل الحزبي حتى كاد أن ينسى درسه، بل أن العمل الحزبي وتوزيع المنشورات ضد الرئيس شمعون عرضه للسجن لمدة ثلاثة أشهر في صيف 1958. وفي سجن الرمل في بيروت التقى برفاق حزبيين من بينهم محسن إبراهيم الذي صار مفكراً وسياسياً مرموقاً. فجعل الرفاق من السجن خلية نضالية، وقد زادت تجربته في المعتقل وخبرته وسرعت في نضجه.

  غادر إلى القاهرة في أواخر عام 1958 للالتحاق بجامعتها. فانتسب إلى قسم الفلسفة. فكان اختياره لمادة التخصص يدل على ميوله في التعمق بالأفكار. وصار صديقاً لأساتذته الكبار، أمثال زكريا إبراهيم وفؤاد زكريا. ولم يبتعد عن العمل السياسي والحزبي، فقد وجد في القاهرة رفاقاً من سائر الأقطار العربية، فصار مسؤولاً في حركة القوميين العرب ومن بين رفاق الحركة قحطان الشعبي الذي أصبح في ما بعد أول رئيس للجمهورية في اليمن بعد الاستقلال.

  وبالرغم من تفوقه في الدراسة، فإن تحصيله العلمي لم يمنعه من العمل، فقدم برنامجاً سياسياً في إذاعة صوت العرب، وأصبح مراسلاً لجريدة الحرية الناطقة باسم حركة القوميين العرب. وخلال سنوات دراسته الأربع كون العديد من الصداقات مع أدباء ومفكرين من أمثال نجيب محفوظ ومحمود تيمور، وأحمد عبد المعطي حجازي وصلاح عبد الصبور فضلاً عن الصحافيين من أمثال رجاء النقاش ومفيد فوزي والفنانين من أمثال جورج البهجوري ورجائي وغيرهم الكثير ممن احتفظ بصداقتهم طوال حياته.

  وبعد عودته إلى لبنان عام 1962، أصبح محاضراً في قسم الفلسفة في جامعة بيروت العربية الفتية، واستمر في العمل الصحافي فكان مسؤولاً عن القسم الثقافي في جريدة الحرية وكاتباً في جريدة المحرر وناشراً للمقالات في مجلة الآداب. وتابع عمله السياسي كمسؤول في حركة القوميين العرب.

  ولم ينس مدينته طرابلس، بالرغم من إقامته في بيروت، فنظم خلال سنوات 1962-1964 برنامجاً للمحاضرات، وبفضل صداقاته الكثيرة للأدباء والمفكرين والكتاب، استقبل النادي الثقافي العربي في طرابلس محمود تيمور، وزكي نجيب محمود، وصديقه في النضال والكتابة غسان كنفاني، والشاعر القروي وتوفيق يوسف عواد وغيرهم الكثير.

  وبهذا الصدد يقول د. هاشم أيوبي (عميد كلية الفنون في الجامعة اللبنانية) “كان معن زيادة يدعو مفكرين وشعراء معروفين ليحاضروا في طرابلس. وعن طريقه تعرفنا إلى الكثير منهم. هكذا تعرفنا إلى الشاعر القروي وسمعناه مباشرة للمرة الأولى في أمسية من أحلى الأمسيات التي ما زالت عالقة في ذاكرتي، مقترنة بالشاعر القروي وبمعن زيادة وبذكرى لا تنسى، فقد امتدت الأمسية إلى وقت متأخر، ولم نجد نحن أبناء القرى المجاورة سيارات تنقلنا إلى قرانا، فبات من له أقرباء في المدينة عند أقربائه، واضطر البعض الآخر وأنا منهم إلى الذهاب مشياً تلك الليلة إلى بيوتنا، وكانت تضحية اعتبرناها في سبيل الشعر”.

  حصل عام 1965 على منحتين دراسيتين واحدة من اسبانيا وأخرى من كندا، وقد نصحه صديقه د. حسن صعب بالتوجه إلى كندا لأن جامعة ماغييل في مونتريال، هي واحدة من أهم جامعات أميركا الشمالية، فغادر في أواخر صيف السنة المذكورة للالتحاق بمعهد الدراسات الإسلامية في ماغييل لتحضير شهادة الدكتوراه. وقد شعر عند وصوله بالألم، كما ذكر في الفصول الأربعة، بسبب ما أدركه من فارق بين تقدم هذا البلد وبين أحوال العالم العربي.

  أمضى في مونتريال كندا- سبع سنوات، شغلها بالدراسة والنشاط والكتابة والعمل السياسي. فبالإضافة إلى تحضيره دكتوراه في فلسفة ابن باجة الأندلسي، أصبح عضواً في الهيئة التنفيذية لمنظمة الطلبة العرب في أميركا الشمالية التي كانت شديدة التأثير في تلك الآونة، وأصبح رئيساً لتحرير مجلتها. وبسبب دوره في المنظمة زار العديد من المدن الكبرى في الولايات المتحدة الأميركية لحضور مؤتمرات المنظمة وإلقاء المحاضرات. وبعد عام 1967 أصبح مسؤولاً في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين فكان يتنقل بين أميركا وأوروبا بصفته مسؤولاً في التنظيم الخارجي للجبهة.

  رجع إلى لبنان عام 1972، لينضم إلى هيئة التدريس في قسم الفلسفة في كلية الآداب، الجامعة اللبنانية، وكان يشغل منصب رئيس القسم آنذاك د. كمال يوسف الحاج الذي لم يفكر أحد بمنافسته على هذا المنصب، إلا أن معن استطاع عام 1974 أن ينتزع منه الرئاسة في معركة تعدت أصداؤها جدران الجامعة واستمر في الرئاسة لعشر سنوات متواصلة.

  وخلال سنوات التدريس الجامعي أثبت حضوره الأكاديمي، كما أثبت حضوره في الحياة الثقافية في بيروت من خلال عضويته في النادي الثقافي العربي، ومن خلال مشاركته في تأسيس دار الندوة لاحقاً. وبعد أن اندلعت الحرب في لبنان شارك في العديد من لقاءات الحوار الهادفة إلى تقريب وجهات النظر بين الأطراف اللبنانيين. وفي عام 1977 بعد أن توقفت حرب السنتين نظم في النادي الثقافي العربي سلسلة من المحاضرات من أجل التأكيد على وحدة الثقافة. وقد صدرت المحاضرات في كتاب تحت عنوان “لبنان الحضارة الواحدة”.

  وإذا كان معن زيادة قد قلص نشاطه السياسي خصوصاً بعد انفجار الأحداث في لبنان التي لم يجد لنفسه مكاناً فيها رافضاً منطق الحرب والاقتتال . فإنه ركز على دوره الأكاديمي كأستاذ وباحث، وكمفكر مدافع عن قضايا العروبة والحرية والتقدم.

  عمل باحثاً في معهد الإنماء العربي، وتسلم رئاسته لفترة من الوقت. ثم عمل رئيساً لتحرير مجلة الفكر العربي التي تصدر عن المعهد المذكور. أما العمل الكبير الذي بدأه في مطلع الثمانينات واستمر في رعايته حتى وفاته فهو رئاسته لتحرير الموسوعة الفلسفية العربية التي صدر الجزء الأول منها عام 1986 والجزء الثاني في 1988، أما الجزء الثالث والأخير فقد تأخر إلى سنة 1997 وهي السنة التي توفي فيها. والموسوعة الفلسفية العربية هي إنجاز ضخم، تمكن من إتمام العمل فيها بسبب صداقته الواسعة مع الباحثين والمفكرين العرب من كافة الأقطار، فقد شارك في تحريرها عشرات من الأساتذة العاملين في حقل الفلسفة.

  وقد قسمت هذه الموسوعة إلى ثلاثة أجزاء:

الجزء الأول: المصطلحات والمفاهيم.

الجزء الثاني: المدارس والمذاهب في مجلدين.

الجزء الثالث: أعلام الفكر الإنساني.

وتجاوز عدد صفحات الموسوعة الثلاثة آلاف صفحة.

  داهمه المرض ولم يكن يتجاوز سن الخمسين، فلم يقعده مرض عضال عن متابعة العمل والسفر وحضور المؤتمرات ومواصلة إنجاز مشروعه في الموسوعة الفلسفية. وحين استبد به المرض آثر أن يتابع العلاج في كندا، إلا أن ذلك لم يمنعه من تأسيس مشروع ثقافي، فكان يستقبل المحاضرين العرب في مكتبة الشرق الأوسط في مونتريال.

  عاد معن زيادة إلى لبنان في آذار 1997 بعد أن أعياه المرض، وكان قد بدأ بكتابة مذكراته التي لم يستطع أن يكملها. وفي شهر آذار أقامت دار الندوة لقاء معه حضره العديد من المفكرين والكتاب والأصدقاء فرحب به المفكر منح الصلح الذي قال “انتمى معن منذ البدء إلى الحلم الوطني والقومي الإنساني”.

  ورد بكلمة معبرة “أشعر أنني وقضية فلسطين متماهيان.. تخلى الأطباء عن مرضي الأساسي على أنه لا أمل من معالجته وصبوا اهتمامهم على الأعراض الجانبية الناتجة عن المرض وهي كثيرة.. والسلطة التنفيذية والقيادات العربية تفرط في هذه الإهتمامات الفرعية عن غير وعي. وفي الكثير من الحالات عن وعي وهذا أخطر وأفدح”.

  رافقت قضية فلسطين معن زيادة منذ الطفولة وحتى الوفاة. ولم تغب عن باله في أشد لحظات معاناته ومرضه.

مؤلفاته

  كان معن زيادة استاذاً متخصصاً بالفلسفة الإسلامية. أنجز أطروحة عن فلسفة ابن باجة الأندلسي، وقد نشر وحقق نصين من مؤلفات هذا الفيلسوف.

– تدبير المتوحد، دار الفكر، بيروت، 1977.

– السماع الطبيعي، دار الفكر، بيروت، 1978.

  كما نشر دراسة عن فلسفة ابن باجة تحت عنوان:

– الحركة من الطبيعة إلى ما بعد الطبيعة. دار اقرأ، بيروت، 1985.

وفي إطار اهتمامه بالفلسفة الإسلامية حقق مع د. رضوان السيد كتاب من الفكر المعتزلي: ” مسائل الخلاف بين البصريين والبغداديين للنيسابوري “، معهد الإنماء العربي، بيروت.

  كما ترجم إلى العربية مع د. رضوان السيد، كتاب: ” مفهوم الحرية في الإسلام “، لفرانز روزنتال، معهد الإنماء العربي، بيروت.

  وقد وسّع معن زيادة مجالات بحثه فانصرف إلى الإهتمام بالفكر العربي الحديث في عصر النهضة، فحقق ونشر كتاب المفكر النهضوي خير الدين التونسي: ” أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك “. دار الطليعة، بيروت، 1978.

  وكتب معن زيادة دراسة وضع فيها أفكاره وتطلعاته حول حاضر العرب ومستقبله، نشرها سلسلة عالم المعرفة، الكويت، العدد 115، تموز 1987، تحت عنوان: ” معالم على طريق تحديث الفكر العربي “.

  وفي إطار انشغاله بالفكر القومي العربي أشرف على إصدار مجموعة من الدراسات صدرت في جزئين.

  وآخر ما كتبه كانت مذكراته التي صدرت بعد وفاته والتي اختار لها عنواناً: ” الفصول الأربعة “، منشورات دار رياض الريس، بيروت، 1999.

  وبعد فإن معن زيادة المفكر والمناضل الذي توفي في التاسعة والخمسين من العمر عاش حياة كثيفة وزعها بين النضال القومي والعمل الأكاديمي والبحث والتأليف.

  وأفضل ما يمثل فكره هو الخاتمة التي كتبها لـ ” معالم على طريق تحديث الفكر العربي “.

” هل يمكن صياغة مشروع تحديثي نهضوي دون أخذ عناصر من الثقافة القومية واعتمادها كأساس نبني عليها البناء الثقافي والفكري الجديد. ودون أن يؤدي ذلك إلى فقداننا لشخصيتنا القومية؟ تجربة النهوض العربية الأولى، والمشروع النهضوي كما صاغه الطهطاوي والتونسي يؤكدان أنه لا بد من أرضية نبني عليها، وإلا فقدنا شخصيتنا وتحولنا إلى نسخ كرتونية عن المجتمعات الأخرى نقلد ولا نجدد، نتبع ولا نبدع.

   وهل يمكن نجاح المشروع النهضوي دون النهوض بالإنسان الذي تصاغ من أجله مشاريع النهوض، ودون العناية به وهو الأداة التي لا يتحقق المشروع إلا بها وعبرها؟ هذا ما يؤكده نجاح العرب في تجربتهم الأولى وسقوطهم في تجاربهم الحديثة.

  وهل يمكن نجاح المشروع التحديثي إذا لم يكن مشروعاً قومياً ووحدوياً؟ لقد وضع مشروع محمد علي التحديثي على طريق الفشل والسقوط عندما حصر هذا المشروع في إطار مصر وحدها، وكل المشاريع التحديثية العربية القطرية هي مشاريع محدودة الأفق والنتائج لأنها مشاريع لا تملك القوة اللازمة لاختراق الحلقة المفرغة.

  وهل يمكن نجاح المشروع النهضوي إذا لم يكن مشروعاً نضالياً، يقتبس عن الغرب ويواجه الغرب في آن واحد؟ وهل يمكن إفراغ المشروع التحديثي من أبعاده السياسية؟ وهل يمكن التحديث في ظل القمع والإرهاب؟ ألم تبين تجربة محمد علي أنها عندما طوقت من الخارج لم تعد تملك مقومات الصمود، لأنها لم تجد القوى الداخلية الشعبية الواسعة التي تشعر أن التحديث هو من أجلها أولاً وأخيراً؟ ألم يوضح التونسي بما لا يقبل الخلاف أن الاستبداد من أسباب تخلف العرب، وأن النهوض لايكون إلا مع الحرية؟؟ ألم يقنعنا الكواكبي أن التخلف ملازم للاستبداد وأن الازدهار والتقدم ملازمان للحرية؟؟

  عبارات تلخص فكر معن زيادة الذي أمضى حياته من أجل حرية العرب وتقدمهم.

  ومات معن زيادة وحزن يكتنفه لما آلت إليه البلاد العربية.. مريضاً بمستشفاه في الجامعة الأميركية في 14 أيار 1997. ودفن في ذكرى نكبة فلسطين التي شغلته في 15 أيار.

    

   

 

 

التصنيفات
من علماء طرابلس

الدكتور عزمي رجب

الدكتور عزمي رجب

(1923-1981)

  الباحث والمؤلف في الاقتصاد.

  من مواليد طرابلس. درس في دار التربية والتعليم الإسلامية (الكلية) بطرابلس ونال شهادة البكالوريا اللبنانية- القسم الثاني. ثم قصد القاهرة للتخصص في العلوم الاقتصادية، فنال الإجازة فيها، ثم تابع دراساته العليا في الاقتصاد، في فرنسا وبعودته إلى لبنان درّس الاقتصاد السياسي في كلية الحقوق والعلوم السياسية التابعة للجامعة اللبنانية، وذلك منذ تأسيسها في العام 1959-1960.

  وعندما أنشئت الفروع الجامعية على أثر الحرب اللبنانية 1975-1976، عين مديراً للفرع الأول في كلية الحقوق، وقد شغل هذا المنصب حتى وفاته في العام 1981.

  كان عضواً مؤسساً لندوة الدراسات الإنمائية في بيروت التي ترأسها الدكتور حسن صعب، وشغل منصب المستشار الاقتصادي في الهيئة الإدارية، وله مساهمات علمية نشرت في منشورات الندوة، كما ترك عدداً من البحوث والدراسات لا تزال مخطوطة، وقد حالت وفاته المبكرة دون نشرها.

  وكان من خلال تدريسه مبادئ الاقتصاد أعد محاضرات لطلاب السنة الأولى- حقوق- منذ العام الدراسي 1959-1960 ثم طورها وأغناها ونشرها في جزءين، وهي تحمل العنوان التالي:

  مبادئ الاقتصاد السياسي. دار العلم للملايين، الطبعة الأولى، بيروت، كانون الثاني 1964. الجزء الأول في 328 صفحة، والجزء الثاني في 248 صفحة من القطع العادي.

التصنيفات
من علماء طرابلس

أكرم محمد نوري صوفي

أكرم محمد نوري صوفي

(1920-1986)

  الأديب الوجداني

  هو ابن محمد نوري الصوفي حفيد والي طرابلس محمد باشا الصوفي. كان والده أديباً وشاعراً بالعربية والفارسية والتركية. درس في اسطنبول ونال شهادة الحقوق من جامعتها. وهو منشئ جريدة “الثريا” في طرابلس في العام 1920 أي في السنة التي ولد فيها أكرم.

  درس أكرم في مدارس طرابلس “ونشأ في عائلة عريقة برزت فيها غير شخصية شعرية وقضائية”.

  وتعلق بالحرف منذ صباه ونشأت بينهما صداقة ومودة، ما لبثت أن نمت مع ميله نحو الصحافة. وقيل إنه بدأ يراسل الصحف الشمالية ولما يتجاوز الخامسة عشرة من عمره.

  وعندما اشتد عوده، وعرفت موهبته الأدبية، كان من المشاركين في تأسيس الرابطة الأدبية الشمالية التي ضمت في حينه 1938 العديد من أدباء الشمال. وحرر في مجلة “الأفكار” وهي المجلة التي كانت لسان حال الرابطة. كما كتب لغيرها من المجلات والصحف، كالأخبار والرائد والمستقبل والجمهور والإنشاء والاتحاد اللبناني وصدى الشمال.. وكان يوقع بعض مقالاته باسم “كنعان”.

  والى جانب نشاطه الأدبي شغل أكرم صوفي منصب رئيس مصلحة الاقتصاد في الشمال فترة طويلة، وانتدب مرات عديدة لتمثيل لبنان في مؤتمرات اقتصادية في الخارج.

  وكان له دور مرموق في أحداث السنتين يوم تقطعت أوصال البلاد، فعمل بكل جد وتفان وإخلاص مع التجمع الوطني للعمل الاجتماعي الذي ضم الجمعيات والروابط الناشطة والفاعلة في طرابلس، ليؤمن للمدينة والشمال اجمالاً، ما تحتاجه من مواد وفي طليعتها القمح والمحروقات.