طرابلس في نهاية القرن التاسع عشر
سميح وجيه الزين
تاريخ طرابلس قديماً وحديثاً
دار الأندلس- بيروت 1969
ص319-321
في أواخر القرن التاسع عشر أرسل السلطان عبد الحميد مدحت باشا والياً على سوريا، فجاء لطرابلس وأعجبه مركزها كما أعجبه هواؤها وجنائنها ومياهها، فأخذ يعمل على تحسين مرافق البلدة بكل ما لديه من قوى.
كان أول عمل قام به مدحت باشا أن أحاط رابية التل العليا بجدار حجري، وأنشأ فيها المقهى المعروف "بقهوة الفوقانية" (التل العليا)، والذي ما زال قائماً لليوم ويعد من أحسن مقاهي طرابلس. وما زالت أيضاً الأشجار التي أمر بغرسها مدحت باشا ومن بينها شجر الكرمة وغيرها من أنواع الشجر قائمة.
كانت الطريق بين الأسكلة والبلدة ضيقة وينتقل الآهلون إلى الأسكلة ومنها على ظهور الحمير، فأمر مدحت باشا بإنشاء طريق معبدة عريضة بين الأسكلة والبلدة ثم جمع أغنياء طرابلس وأجبرهم على تأسيس شركة مساهمة برأس مال كاف. واستصدر فرماناً بإنشاء هذه الشركة وهدفها إنشاء خط ترامواي حديدي يصل البلدة بالأسكلة. وبعد ان جمع المال اللازم وبموجب الفرمان الآنف الذكر صار طلب الأدوات والخطوط الحديدية واستحضار العربات من معامل انكلترا حيث تعاقد مدحت باشا بإسم الشركة معها.
كان البخار بأول عهده لذلك تم الأتفاق ان تكون الحافلات تجر على الخط الحديدي على البغال وبعد الأنتهاء من مد الخط الحديدي ووصول العربات الخمس التي استحضرت من انكلترا وكانت اثنتين بطابق علوي واثنتين بدون طابق وواحدة مكشوفة تشبه مقاعدها مقاعد المدرسة لذلك أطلق عليها إسم "المدرسة" واحتفل بتدشين الخط بحضور رجال الدولة وقناصل الدول والوجهاء وجعلت الأجرة من البلدة للأسكلة ذهاباً وإياباً بمتليكتين أي ما يعادل نصف غرش ذهب بعملة اليوم.
وقد حاولت شركة التراموي في أثناء عملها استثمار عربات الخيل على طريق الميناء، لكن بعد مداخلة قنصل فرنسا وأخيه والامتيازات الأجنبية لم تتمكن شركة التراموي من الحصول على مرغوبها.
ثم أسس مدحت باشا شركة ثانية على نمط شركة التراموي دعاها شركة "الشوسيه" صنعت عربات كبيرة تجرها أربعة من البغال، ابتدأت في أول الأمر تأمين السفر بين حمص وطرابلس مرتين في الأسبوع، ثم نجحت الشركة وأصبحت ترسل عرباتها يومياً لحمص ذهاباً وأياباً. كانت تسير العربات عند بزوغ الفجر وتغير البغال على الطريق فتصل لحمص في أواخر النهار. والفضل في ذلك لمدحت باشا الذي أنشأ طريقاً معبدة بين حمص وطرابلس. وحين قررت الحكومة العثمانية منح امتياز إنشاء خط حديدي بين حمص وطرابلس عرضت الامتياز على شركة "الشوسيه" فاعتذرت وقامت شركة سكة حديد الشام وتمديداتها بمد الخط الحديدي بين حمص وطرابلس.