Navigation

40213869 عدد الزوار

الأحد، ۱۷ كانون۱/ديسمبر ۲۰۱۷



الشيخ كمال الدين الادهمي

 

الأستاذ معتز مطرجي

 

      كان الشيخ الوقور كمال الادهمي منهوماً بقراءة القرآن، يحفظه ويقيم حدوده، تتلمذ على يد نخبة من علماء طرابلس، فأخذ عنهم العلوم الشرعية والعقلية، انكب على الدرس والمطالعة وأولع بلغة الضاد، فغرف من ينابيعها ولم يرتو، نظم الشعر وبرع فيه، وجارى كبار الشعراء، فخمّس لامية ابن الورى، أرخ لشيوخ الفيحاء الذين عاصرهم، اجتهد بالتأليف حتى بلغت كتبه الخمسين، وصفه استاذه العلامة الشيخ عبد الكريم عويضة رحمه الله واعتبره احد النوابغ. نصبوه خطيباً لأكبر جوامع الاستانة ومدرساً للغة العربية في مدارس دار الخلافة باستنبول.

هو ابو عبد الرحيم محمد كمال الدين ابن الحاج محمد بن عبد القادر علي الحسيني الادهمي، ولد في طرابلس سنة 1878 م ، ودخل المدارس التي كانت قائمة في ذلك الحين، فتعلم فيها ما كان يدرس من علوم وفنون ولغات، وقرأ على مدرسي الجامع المنصوري الكبير لا سيما العلامتين الشيخ عبد الكريم عويضة والشيخ عبد اللطيف نشابة، وقرأ على غيرهم في طرابلس والبصرة ومكة واستنبول والقاهرة، ثم دخل سلك التعليم في الدولة العثمانية وكان مدرساً في المدارس السلطانية، وانتدب عضواً في عدة لجان بوزارة المعارف، وعندما تبدل شكل الحكومة العثمانية وجاء كمال اتاتورك جردوه من مناصبه وأداروا له ظهر المجن، واخرجوه من الاراضي التركية تعصباً لانتمائه العربي، فهضموا حقوقه وضيعوا عليه خدمة خمس عشرة سنة.

عاد الى طرابلس وعيّن اماماً في جامع التل واشتهر بإطالته في صلاة العشاء فأرسل اليه استاذه الشيخ عويضة هذه الابيات:

وقالوا: كمال قد أطال صلاته صلاة العشا بالناس في جامع التل

فقلت لهم: حاشا يطيل زيادة على قدر ما قد صح عن اشرف الرسل

فأمَّ وخفف يا كمال مراعياً فذلك عنوان على الفضل والعقل

وقد أجابه الشيخ كمال بأبيات لم نقف عليها كما ذكر الدكتور عمر تدمري في موسوعته.

سافر الشيخ كمال الى مصر سنة 1925 واستخدمته الحكومة المصرية في قسم المحفوظات التاريخية بديوان جلالة ملك مصر والسودان، ومنح الجنسية المصرية بعد عشر سنوات.

وعلى ضوء بصره المودع في مشكاة قلبه، اضطر الى الاقلال من مخالطته للناس إلاما تدعو الحاجة اليه، وقد استفادت المكتبة الاسلامية من عزلته هذه فيما ألف من جملة من الكتب الكثيرة في مختلف المواضيع ولسان حاله يقول:

حال الفتى لا يلزم اختباره

إن الجواد عينه فراره

وفي تخميسة جارى فيها أمير الشعراء أحمد شوقي والشيخ عبد الغني الرافعي عندما حاكا ميمية الشاعر المصري البوصيري الذي اشتهر بقصيدة البردى، فخمس مترجماً قائلاً:

أما والهوى لولا لهيبٌ بأضلعي

يثور ولا تطفيه زفرات أدمعي

لما كنت الا في المحبة مدّعي

ولا كان وجدي وجدَ صبَّ مُولّعِ

وفي تقريظ لاحد كتب الشيخ كمال، نظم ابو المعالي الشيخ عبد الكريم عويضة هذه الابيات:

قد قام تلميذنا عنا باحسن ما

نقوم نحن به من خدمة الدين

وفي الدعاية للقرآن ما طلبت

من الاجادة في جمعٍ وتبيين

فجاء نوراً على نور مؤلفه

هذا بما فيه من درسٍ وتلقين

فإننا في اشد الاحتياج له

لا سيما صاح في ذا الوقت والحين

جزى الاله كمال الدين مكرمة

له بها خير تثبيت وتمكين

وذكر الدكتور هشام نشابة في مجلة تاريخ العرب والعالم في معرض بحثه "طرابلس مدينة الآثار والعلماء" ان لديه مخطوطة يحفظها للشيخ كمال يترجم فيها عشرين عالماً عاصرهم وتلقى العلم عنهم، ويتابع فيقول: هو خير من أرخ لعلماء طرابلس.

رحل كمال الادهمي سنة 1951 في القاهرة بعد ان قضى خمس عشرة سنة تاركاً وراءه كماً ثميناً من الابحاث والتوجيه في الوعظ والارشاد تترجم عن قدر علمه وتعبر عن درجة معرفته وفرغ فيها وسعه واجتهاده.

لقد تأصل مترجمنا في طرابلس وعانق الاستانة وشغف حباً بالقاهرة، انه عابر في الحياة ظمئ للعلم.