Navigation

40213916 عدد الزوار

الأحد، ۱۷ كانون۱/ديسمبر ۲۰۱۷



الشيخ محمد أمين عز الدين

 

الأستاذ معتز مطرجي

 

   من الأقوال المأثورة: أن الإنسان لا يصير عالماً إلا بخمس: غريزة محتملة للعلم، وعناية تامة، وكفاية قائمة، واستنباط صحيح، ومعلم فصيح.

   وقد جمع مترجمُنا كل هذه الصفات وغدا مرجعاً للكثير من الأئمة ورجال الدين، فهو العلاّمة المحقق، والبحّاثة المدقِّق، والحافظ المحدث، الضليع في الفقه، البليغ في اللغة، المجيد في الشعر، المتحلّل من القيود، المتملّص من الأغلال ضمن النصوص الصريحة، والسنن الصحيحة، فتفتّح على الحياة الحديثة حتى وصفوه بالشيخ حسين الجسر، الذي أخذ عنه وانتفع بصحبته، وكان رحمه الله الى جانب ذلك يجيد لغته الأم مع اللغتين التركية والفرنسية.
ولد محمد أمين بن ابراهيم عز الدين في طرابلس، سنة 1874 ونشأ فيها، وتلقى علومه الدينية واللغوية على الشيخ محي الدين الخطيب، ثم دخل المدرسة الوطنية التي أسسها الشيخ حسين الجسر بتمويل من الثري غنوم آغا الضناوي، وعندما لمس أستاذُه النبوغ المبكر والألمعية الظاهرة، طلب من والده إرساله الى عاصمة الخلافة لدراسة الحقوق، فغادر الى الإستانة مصحوباً بتوصية من الشيخ الجسر الى شيخ الإسلام في استانبول، فأكرم هذا وفادته وأحسن رعايته، وخصص له منحة شهرية مقدارها خمس ليرات عثمانية، تقديراً وتشجيعاً له، كواحد من الأوائل في العلوم الدينية وخصوصاً في الفقه.

بعد تخرّجه من كلية الحقوق، عاد الى طرابلس ليفتح مكتب محاماة إستمر فيه الى أن تولّى منصب القضاء في أوائل عهد الإنتداب عام 1920، فكان أول قاضٍ طرابلسي بعد رحيل آخر قاضٍ تركي إنسحب مع من إنسحبوا من الموظفين الأتراك قبل دخول الفرنسيين طرابلس، واستمر الشيخ أمين في منصبه قاضياً حتى سنة 1936، حين تولى زمام القضاء الشرعي، الشيخ نديم الجسر، وقد تعاون الشيخ أمين خلال عمله، محامياً ثم قاضياً مع الشيخ محمد يمن الجسر رئيس مجلس الشيوخ اللبناني، ثم مجلس النواب والمرشح القوي لرئاسة الجمهورية، وكان تعاونهما وثيقاً لخدمة أبناء المدينة.

زاول الشيخ أمين التدريس بالمدارس الرسمية، وفي الجامع المنصوري الكبير وبمسجد السيد عبد الواحد المكناسي، وكان درسه مشغولاً بتفسير القرآن الكريم بطريقة محبَّبة وسهلة، وكانت حلقة درسه تغصُّ بالمصلين وطلبة العلم، كما ذكر الأستاذ الدكتور عمر تدمري في موسوعته "علماء المسلمين"، وعمل خطيباً في جامع الأويسية، كما تولّى رئاسة الجمعية الخيرية الإسلامية حوالي العشرين سنة، ومن أهم منجزاته خلالها، إنشاء القسم الشرعي التابع للجمعية في كلية التربية والتعليم الاسلامية، وقد عزّز منهجه فأدخل تدريس العلوم العصرية واللغة الفرنسية.

ترك الشيخ أمين مجموعة من المؤلفات الدينية وقصائد كثيرة لم تُجمع في ديوان. من كتبه المطبوعة:

1 - الأمان في مولد سيد ولد عدنان.

2 - الأعمال والمصالح في أصول الأديان وشرائع العمران
ومن شعره الجيد هذا التخميس لقصيدة:

أنا واللهِ يا اخِلاّيا صبُّ ليس لي غير التواصل طِبُّ

بلّغوا الظاعنين أنّي مُحِبُّ عوّدوني الوصال والوصلُ عذبُ

ورموني بالصدّ والصَدُّ صعبُ

أتُراهم يدرون ما نابَ جسمي حين جَدّوا الثرى ومُعضَل سُقمي

يا بروحي أفديهمُ وبأُمي زعموا حين عاتبوا أنّ جُرحي

فرطُ حبي لهم وما ذاك ذنبُ

إن قلبي بهم شديد المراقي كاد بالحبّ أن يجُسَّ التراقي

هل يجوز الإعراض عن ذي اشتياقِ لا وحُسن الخضوع عند التلاقي

ما جزاءُ المحبّ إلا يُحَبُّ

مسيرة الشيخ محمد أمين عز الدين تلخِّص الحياة الدينية والاجتماعية في طرابلس، خلال نصف قرن، وفي أواخر عمره ضعف جسمُه واشتد ورعُه، وخفّ بصرُه وبقيت بصيرتُه، وكان قد سكن بيروت الى أن توفاه الله عام 1968 عن عمر يناهز الرابعة والتسعين.